قصة التحكيم

ﻟﻢ ﻳﺮﺩ ﺇﻟﻴﻨﺎ ﻋﻦ ﻗﻀﻴﺔ ﺍﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺇﻻ‌ ﺭﻭﺍﻳﺎﺕ ﺿﻌﻴﻔﺔ ﺟﺪﺍً ﻣﻊ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻌﺘﺒﺮﻣﻦ ﺃﺧﻄﺮ ﺍﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺎﺕ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﺓ، ﻭﻗﺪ ﺗﺎﻩ ﻓﻴﻬﺎ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻭﺗﺨﺒﻂ ﻓﻴﻬﺎ ﺁﺧﺮﻭﻥ ﻭﺳﻄﺮﻭﻫﺎ ﻓﻲ ﻛﺘﺒﻬﻢ ﻭﻣﺆﻟﻔﺎﺗﻬﻢ، ﻭﻛﺄﻧﻬﺎ ﺣﻘﻴﻘﺔ ﻣﻦ ﺃﻛﺒﺮ ﺣﻘﺎﺋﻖ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ، ﻭﻗﺪ ﺗﻠﻘﺎﻫﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﻨﻬﻢ ﺑﺎﻟﻘﺒﻮﻝ ﺩﻭﻥ ﺗﻤﺤﻴﺺ ﻟﻬﺎ ﻭﻛﺄﻧﻬﺎ ﺻﺤﻴﺤﺔ ﻻ‌ ﻣﺮﻳﺔ ﻓﻴﻬﺎ؛ ﻭﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻟﺼﻴﺎﻏﺘﻬﺎ ﺍﻟﻘﺼﺼﻴﺔ ﺍﻟﻤﺜﻴﺮﺓ ﻭﻣﺎ ﺯﻋﻢ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺧﺪﺍﻉ ﻭﻣﻜﺮ ﺃﺛﺮ ﻓﻲ ﺍﻫﺘﻤﺎﻡ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻬﺎ ﻭﻋﻨﺎﻳﺔ ﺍﻟﻤﺆﺭﺧﻴﻦ ﺑﺘﺪﻭﻳﻨﻬﺎ، ﻭمرادي ﺍﻟﺘﻔﺼﻴﻼ‌ﺕ المروية عن قضية التحكيم ﻻ‌ ﻋﻠﻰ ﺃﺻﻞ ﺍﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ؛ ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺃﺻﻠﻪ ﺣﻖ ﻻ‌ ﺷﻚ ﻓﻴﻪ.
ﻭﻗﺪ ﺃﺣﺴﻦ الامام أبو بكر ﺑﻦ ﺍﻟﻌﺮﺑﻲ ﻓﻲ ﺭﺩﻫﺎ ﺇﺟﻤﺎﻻ‌ً ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻏﻴﺮ ﻣﻔﺼِّﻞ، ﻭﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺩﻻ‌ﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﻗﻮﺓ ﺣﺎﺳﺘﻪ ﺍﻟﻨﻘﺪﻳﺔ ﻟﻠﻨﺼﻮﺹ، ﺇﺫ ﺇﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﻣﺘﻮﻥ ﻗﺼﺔ ﺍﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻻ‌ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﺗﻘﻮﻡ ﺃﻣﺎﻡ ﻣﻌﻴﺎﺭ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﻌﻠﻤﻲ، ﺑﻞ ﻫﻲ ﺑﺎﻃﻠﺔ ﻣﻦ ﻋﺪﺓ ﻭﺟﻮﻩ: -ﺍﻷ‌ﻭﻝ: ﺃﻥ ﺟﻤﻴﻊ ﻃﺮﻗﻬﺎ ﺿﻌﻴﻔﺔ،
الطريق الأول: وهو ﺃﻗﻮﻯ ﻃﺮﻳﻖ ﻭﺭﺩﺕ ﻓﻴﻪ ﻫﻮ ﻣﺎ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﻋﺒﺪﺍﻟﺮﺯﺍﻕ ﻭﺍﻟﻄﺒﺮﻱ ﻋﻦ ﺍﻟﺰﻫﺮﻱ، ﻭﺍﻟﺰﻫﺮﻱ ﻟﻢ ﻳُﺪﺭﻙ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﻓﻬﻲ ﻣنقطعة.
ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﻣﺎ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺍﺑﻦ ﻋﺴﺎﻛﺮ ﺑﺴﻨﺪﻩ ﻋﻦ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﺑﻨﺤﻮ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺃﺑﻲ ﻣﺨﻨﻒ ﺭﻗﻢ (107) ﻭﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﻌﻠﻞ ﺍﻟﺘﺎﻟﻴﺔ:
1- ﺃﻧﻬﺎ ﻣﺮﺳﻠﺔ، ﻓﻌﻤﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻟﻢ ﻳُﺪﺭﻙ ﺍﻟﻘﺼﺔ ﻓﻘﺪ ﻭﻟﺪ ﺳﻨﺔ 37ﻫـ.
2- ﻭﻓﻴﻬﺎ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺳﺒﺮﺓ ﻗﺎﻝ ﻋﻨﻪ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻡ ﺃﺣﻤﺪ “ﻛﺎﻥ ﻳﻀﻊ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ”.
3- ﻭﻓﻴﻬﺎ ﺃﻳﻀﺎً ﺍﻟﻮﺍﻗﺪﻱ ﻭﺇﺳﺤﺎﻕ ﺑﻦ ﻋﺒﺪﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻓﺮﻭﺓ ﻭﻛﻼ‌ﻫﻤﺎ ﻣﺘﺮﻭﻙ.
ﺍﻟﻄﺮﻳﻖ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﻣﺎ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺍﺑﻦ ﻋﺴﺎﻛﺮ ﺑﺴﻨﺪﻩ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺰﻫﺮﻱ، ﻭﻫﻲ ﻣﺮﺳﻠﺔ، ﻭﻓﻴﻬﺎ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺳﺒﺮﺓ ﻭﺍﻟﻮﺍﻗﺪﻱ.
ﺃﻣﺎ ﻃﺮﻕ ﺃﺑﻲ ﻣﺨﻨﻒ ﻓﻬﻲ إضافة إلى أنه شعي كذاب محترق وضع الكثير من الروايات المكذوبة فهي ﻣﻌﻠﻮﻟﺔ ﺑﻐﻴﺮﻩ أيضا؛
ﻓﻔﻲ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺭﻗﻢ (103) ﺯﻳﺎﺩ ﺑﻦ ﺍﻟﻨﻀﺮ ﺍﻟﺤﺎﺭﺛﻲ ﻭﻫﻮ ﻣﺠﻬﻮﻝ، ﻭﺭﻭﺍﻳﺔ ﺭﻗﻢ (107) ﻣﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺃﺑﻲ ﺟﻨﺎﺏ ﺍﻟﻜﻠﺒﻲ ﻭﻫﻮ ﺿﻌﻴﻒ ﻭﻟﻢ ﻳﺪﺭﻙ ﺍﻟﺤﺎﺩﺛﺔ ﺃﻳﻀﺎً. ﻫﺬﻩ ﻣﺠﻤﻮﻉ ﻃﺮﻕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﺼﺔ التي وردت. قلت: ﺃﻓﺒﻤﺜﻞ ﻫﺬﺍ ﺗﻘﻮﻡ ﺣﺠﺔ، ﺃﻭ ﻳﻌﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﻣﺜﻞ ﺫﻟﻚ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﻭﻋﺼﺮ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﻳﻦ ﻋﺼﺮ ﺍﻟﻘﺪﻭﺓ ﻭﺍﻷ‌ﺳﻮﺓ؟! ﻭﻟﻮ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﺇﻻ‌ ﺍﻻ‌ﺿﻄﺮﺍﺏ ﻓﻲ ﻣﺘﻮﻧﻬﺎ ﻟﻜﻔﺎﻫﺎ ﺿﻌﻔﺎً ﻓﻜﻴﻒ ﺇﺫﺍ ﺃﺿﻴﻒ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺿﻌﻒ ﺃﺳﺎﻧﻴﺪﻫﺎ والله أعلم.
ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ: ﺃﻫﻤﻴﺔ ﻫﺬه ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﻓﻲ ﺟﺎﻧﺐ ﺍﻻ‌ﻋﺘﻘﺎﺩ ﻭﺍﻟﺘﺸﺮﻳﻊ، ﻭﻣﻊ ﺫﻟﻚ ﻟﻢ ﺗُﻨﻘﻞ ﻟﻨﺎ ﺑﺴﻨﺪ ﺻﺤﻴﺢ، فكيف ﻳُﻄﺒﻖ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ ﻋﻠﻰ ﺇﻫﻤﺎﻟﻬﺎ ﻣﻊ ﺃﻫﻤﻴﺘﻬﺎ ﻭﺷﺪﺓ ﺍﻟﺤﺎﺟﺔ ﺇﻟﻴﻬﺎ.
ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﻭﺭﺩﺕ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺗﻨﺎﻗﺾ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﺗﻤﺎﻣﺎً، ﻭﺫﻟﻚ ﻓﻴﻤﺎ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﻓﻲ ﺗﺎﺭﻳﺨﻪ ﻣﺨﺘﺼﺮﺍً ﺑﺴﻨﺪ ﺭﺟﺎﻟﻪ ﺛﻘﺎﺕ، ﻭﺃﺧﺮﺟﻪ ﺍﺑﻦ ﻋﺴﺎﻛﺮ ﻣﻄﻮﻻ‌ً، ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺼﻴﻦ ﺑﻦ ﺍﻟﻤﻨﺬﺭ ﺃﻥ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﺃﺭﺳﻠﻪ ﺇﻟﻰ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﻌﺎﺹ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ: “ﺇﻧﻪ ﺑﻠﻐﻨﻲ ﻋﻦ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻌﺾ ﻣﺎ ﺃﻛﺮﻩ ﻓﺄﺗﻪ ﻓﺎﺳﺄﻟﻪ ﻋﻦ ﺍﻷ‌ﻣﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺍﺟﺘﻤﻊ ﻋﻤﺮﻭ ﻭﺃﺑﻮ ﻣﻮﺳﻰ ﻓﻴﻪ ﻛﻴﻒ ﺻﻨﻌﺘﻤﺎ ﻓﻴﻪ؟ ﻗﺎﻝ: ﻗﺪ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻭﻗﺎﻟﻮﺍ، ﻭﻻ‌ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﺎ ﻗﺎﻟﻮﺍ ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻤﺎ ﺍﺟﺘﻤﻌﺖ ﺃﻧﺎ ﻭﺃﺑﻮ ﻣﻮﺳﻰ ﻗﻠﺖ ﻟﻪ: ﻣﺎ ﺗﺮﻯ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻷ‌ﻣﺮ؟ ﻗﺎﻝ: ﺃﺭﻯ ﺃﻧﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﻔﺮ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺗﻮﻓﻲ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﻫﻮ ﻋﻨﻬﻢ ﺭﺍﺽ. ﻗﺎﻝ: ﻓﻘﻠﺖ: ﺃﻳﻦ ﺗﺠﻌﻠﻨﻲ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻷ‌ﻣﺮ ﺃﻧﺎ ﻭﻣﻌﺎﻭﻳﺔ؟ ﻗﺎﻝ: ﺇﻥ ﻳﺴﺘﻌﻦ ﺑﻜﻤﺎ ﻓﻔﻴﻜﻤﺎ ﻣﻌﻮﻧﺔ، ﻭﺇﻥ ﻳﺴﺘﻐﻦ ﻋﻨﻜﻤﺎ ﻓﻄﺎﻟﻤﺎ ﺍﺳﺘﻐﻨﻰ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻜﻤﺎ”. (1) ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺔ ﻟﻢ ﺗﺬﻛﺮ ﺧﺪﻋﺔ ﻭﻻ‌ ﻣﻜﺮﺍً، ﻭﻻ‌ ﺗﻮﻟﻴﺔ ﻭﻻ‌ ﻋﺰﻻ‌ً، ﻭإنما فيها أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان يرى أن تكون الخلافة في النفر الذي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ولم يكن بقي منهم إلا سيدنا علي رضي الله عنه وسيدنا سعد رضي الله عنه ولا شك أن عليا هو الأفضل. كما أن سيدنا سعدا رضي الله عنه لم يكن يرغب في ولاية ولا إمارة فلم يبقى إلا سيدنا علي رضي الله عنه.
ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ: ﺃﻥ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ رضي الله عنه ﻛﺎﻥ ﻳﻘﺮّ ﺑﻔﻀﻞ ﻋﻠﻲ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﺃﻧﻪ ﺃﺣﻖ ﺑﺎﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﻣﻨﻪ، ﻓﻠﻢ ﻳﻨﺎﺯﻋﻪ ﺍﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﻭﻻ‌ ﻃﻠﺒﻬﺎ ﻟﻨﻔﺴﻪ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺓ ﻋﻠﻲ، ﻓﻘﺪ ﺃﺧﺮﺝ ﻳﺤﻴﻰ ﺑﻦ ﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺍﻟﺠﻌﻔﻲ ﺑﺴﻨﺪ ﺟﻴﺪ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻣﺴﻠﻢ ﺍﻟﺨﻮﻻ‌ﻧﻲ ﺃﻧﻪ ﻗﺎﻝ ﻟﻤﻌﺎﻭﻳﺔ: “ﺃﻧﺖ ﺗﻨﺎﺯﻉ ﻋﻠﻴﺎً ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﺃﻭﺃﻧﺖ ﻣﺜﻠﻪ؟ ﻗﺎﻝ: ﻻ‌ ﻭﺇﻧﻲ ﻷ‌ﻋﻠﻢ ﺃﻧﻪ ﺃﻓﻀﻞ ﻣﻨﻲ ﻭﺃﺣﻖ ﺑﺎﻷ‌ﻣﺮ، ﻭﻟﻜﻦ ﺃﻟﺴﺘﻢ ﺗﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻥ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻗُﺘﻞ ﻣﻈﻠﻮﻣﺎً ﻭﺃﻧﺎ ﺍﺑﻦ ﻋﻤﻪ ﻭﻭﻟﻴﻪ ﺃﻃﻠﺐ ﺑﺪﻣﻪ؟ ﻓﺄﺗﻮﺍ ﻋﻠﻴﺎً ﻓﻘﻮﻟﻮﺍ ﻟﻪ ﻳﺪﻓﻊ ﻟﻨﺎ ﻗﺘﻠﺔ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻭﺃﺳﻠﻢ ﻟﻪ، ﻓﺄﺗﻮﺍ ﻋﻠﻴﺎً ﻓﻜﻠﻤﻮﻩ ﻓﻠﻢ ﻳﺪﻓﻌﻬﻢ ﺇﻟﻴﻪ”. ﻓﻬﺬﺍ ﻫﻮ ﺃﺻﻞ ﺍﻟﻨـﺰﺍﻉ ﺑﻴﻦ ﻋﻠﻲ ﻭﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ، ﻓﺎﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺣﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ ﺍﻟﻤﺘﻨﺎﺯﻉ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻻ‌ ﻻ‌ﺧﺘﻴﺎﺭ ﺧﻠﻴﻔﺔ ﺃﻭ ﻋﺰﻟﻪ
ﺍﻟﺨﺎﻣﺲ: ﺃﻥ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﺠﺐ ﺗﻮﻓﺮﻫﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﻫﻲ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ، ﻭﺍﻟﺮﺃﻱ ﺍﻟﻤﻔﻀﻲ ﺇﻟﻰ ﺳﻴﺎﺳﺔ ﺍﻟﺮﻋﻴﺔ ﻭﺗﺪﺑﻴﺮ ﺍﻟﻤﺼﺎﻟﺢ، ﻭﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﻗﺮﺷﻴﺎً.
(1) رواه البخاري في تاريخه الكبير (5-398)
ﻭﻗﺪ ﺗﻮﻓﺮﺕ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺸﺮﻭﻁ ﻓﻲ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻓﻬﻞ ﺑﻴﻌﺘﻪ ﻣﻨﻌﻘﺪﺓ ﺃﻡ ﻻ‌ ؟ ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻧﺖ ﻣﻨﻌﻘﺪﺓ ﻭﻻ‌ ﺷﻚ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﻭﻗﺪ ﺑﺎﻳﻌﻪ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻭﻥ ﻭﺍﻷ‌ﻧﺼﺎﺭ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻞ ﻭﺍﻟﻌﻘﺪ، ﻭﺧﺼﻮﻣﻪ ﻳﻘﺮﻭﻥ ﻟﻪ ﺑﺬﻟﻚ -وقوﻝ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ رضي الله عنه ﺍﻟﺴﺎﺑﻖ ﻳﺪﻝ ﻋﻠﻴﻪ- ﻓﻤﻦ ﻳﺤﻞ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻌﻘﺪ ﻭﻣﺘﻰ ﻳﺤﻞ ﻭﺗﻨﻘﺾ ﺍﻟﺒﻴﻌﺔ؟ ﺃﺟﻴﺐ ﻋﻦ ﺫﻟﻚ ﺑﺄﻥ “ﺍﻹ‌ﻣﺎﻡ ﺇﺫﺍ ﻟﻢ ﻳَﺨْﻞ ﻋﻦ ﺻﻔﺎﺕ ﺍﻷ‌ﺋﻤﺔ، ﻓﺮﺍﻡ ﺍﻟﻌﺎﻗﺪﻭﻥ ﻟﻪ ﻋﻘﺪ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻣﺔ ﺃﻥ ﻳﺨﻠﻌﻮﻩ، ﻟﻢ ﻳﺠﺪﻭﺍ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﺳﺒﻴﻼ‌ً ﺑﺎﺗﻔﺎﻕ ﺍﻷ‌ﺋﻤﺔ، ﻓﺈﻥ ﻋﻘﺪ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻡ ﻻ‌ﺯﻡ، ﻻ‌ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﻓﻲ ﺣﻠﻪ ﻣﻦ ﻏﻴﺮ ﺳﺒﺐ ﻳﻘﻀﻴﻪ، ﻭﻻ‌ ﺗﻨﺘﻈﻢ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻣﺔ ﻭﻻ‌ ﺗﻔﻴﺪ ﺍﻟﻐﺮﺽ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻣﻨﻬﺎ ﺇﻻ‌ ﻣﻊ ﺍﻟﻘﻄﻊ ﺑﻠﺰﻭﻣﻬﺎ، ﻭﻟﻮ ﺗﺨﻴﺮ ﺍﻟﺮﻋﺎﻳﺎ ﻓﻲ ﺧﻠﻊ ﺇﻣﺎﻡ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﻋﻠﻰ ﺣﻜﻢ ﺍﻹ‌ﻳﺜﺎﺭ ﻭﺍﻻ‌ﺧﺘﻴﺎﺭ ﻟﻤﺎ ﺍﺳﺘﺘﺐ ﻟﻺ‌ﻣﺎﻡ ﻃﺎﻋﺔ ﻭﻟﻤﺎ ﺍﺳﺘﻤﺮﺕ ﻟﻪ ﻗﺪﺭﺓ ﻭﺍﺳﺘﻄﺎﻋﺔ ﻭﻟﻤﺎ ﺻﺢ ﻟﻤﻨﺼﺐ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻡ ﻣﻌﻨﻰ”. (ﻏﻴﺎﺙ ﺍﻷ‌ﻣﻢ، ﻟﻠﺠﻮﻳﻨﻲ).
ﻭﺇﺫﺍً ﻓﻠﻴﺲ ﺍﻷ‌ﻣﺮ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺤﻜﻴﻬﺎ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ: ﻛﻞ ﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﺮﺽ ﺑﺈﻣﺎمه ﺧﻠﻌﻪ، ﻓﻌﻘﺪ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻣﺔ ﻻ‌ ﻳﺤﻠﻪ ﺇﻻ‌ ﻣﻦ ﻋﻘﺪﻩ، ﻭﻫﻢ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻞ ﻭﺍﻟﻌﻘﺪ ﻭﺑﺸﺮﻁ ﺇﺧﻼ‌ﻝ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻡ ﺑﺸﺮﻭﻁ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻣﺔ، ﻭﻫﻞ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻓﻌﻞ ﺫﻟﻚ ﻭﺍﺗﻔﻖ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻞ ﻭﺍﻟﻌﻘﺪ ﻋﻠﻰ ﻋﺰﻟﻪ ﻋﻦ ﺍﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﺣﺘﻰ ﻳﻘﺎﻝ ﺇﻥ ﺍﻟﺤﻜﻤﻴﻦ ﺍﺗﻔﻘﺎ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ؟! ﻓﻤﺎ ﻇﻬﺮ ﻣﻨﻪ ﻗﻂ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻣﺎﺕ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺷﻲﺀ ﻳﻮﺟﺐ ﻧﻘﺾ ﺑﻴﻌﺘﻪ، ﻭﻣﺎ ﻇﻬﺮ ﻣﻨﻪ ﻗﻂ ﺇﻻ‌ ﺍﻟﻌﺪﻝ، ﻭﺍﻟﺠﺪ، ﻭﺍﻟﺒﺮ ﻭﺍﻟﺘﻘﻮﻯ ﻭﺍﻟﺨﻴﺮ.
ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ: ﺃﻥ ﺍﻟﺰﻣﺎﻥ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﻡ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺯﻣﺎﻥ ﻓﺘﻨﺔ، ﻭﺣﺎﻟﺔ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻣﻀﻄﺮﺑﺔ ﻣﻊ ﻭﺟﻮﺩ ﺧﻠﻴﻔﺔ ﻟﻬﻢ، ﻓﻜﻴﻒ ﺗﻨﺘﻈﻢ ﺣﺎﻟﺘﻬﻢ ﻣﻊ ﻋﺰﻝ ﺍﻟﺨﻠﻴﻔﺔ؟! ﻻ‌ ﺷﻚ ﺃﻥ ﺍﻷ‌ﺣﻮﺍﻝ ﺳﺘﺰﺩﺍﺩ ﺳﻮﺀﺍً، ﻭﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺍﻟﻜﺮﺍﻡ ﺃﺣﺬﻕ ﻭﺃﻋﻘﻞ ﻣﻦ ﺃﻥ ﻳﻘﺪﻣﻮﺍ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ.
ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ: ﺃﻥ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺣﺼﺮ ﺍﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﻓﻲ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﻮﺭﻯ، ﻭﻫﻢ ﺍﻟﺴﺘﺔ، ﻭﻗﺪ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻭﻥ ﻭﺍﻷ‌ﻧﺼﺎﺭ ﺑﺬﻟﻚ، ﻓﻜﺎﻥ ﺫﻟﻚ ﺇﺫﻧﺎً ﻓﻲ ﺃﻥ ﺍﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﻻ‌ ﺗﻌﺪﻭ ﻫﺆﻻ‌ﺀ ﺇﻟﻰ ﻏﻴﺮﻫﻢ ﻣﺎ ﺑﻘﻲ ﻣﻨﻬﻢ ﻭﺍﺣﺪ، ﻭﻟﻢ ﻳﺒﻖ ﻣﻨﻬﻢ ﻓﻲ ﺯﻣﺎﻥ ﺍﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﺇﻻ‌ ﺳﻌﺪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻭﻗﺎﺹ ﻭﻗﺪ ﺍﻋﺘﺰﻝ ﺍﻷ‌ﻣﺮ ﻭﺭﻏﺐ ﻋﻦ ﺍﻟﻮﻻ‌ﻳﺔ ﻭﺍﻹ‌ﻣﺎﺭﺓ، ﻭﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ ﺍﻟﻘﺎﺋﻢ ﺑﺄﻣﺮ ﺍﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﻭﻫﻮ ﺃﻓﻀﻞ ﺍﻟﺴﺘﺔ ﺑﻌﺪ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻓﻜﻴﻒ ﻳﺘﺨﻄﻰ ﺑﺎﻷ‌ﻣﺮ ﺇﻟﻰ ﻏﻴﺮﻩ؟!
ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ: ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﺎﻡ لم يبايعوا ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ رضي الله عنه إلا ﺑﻌﺪ ﺍﻟﺘﺤﻜﻴﻢ، فلا معنى لما زعمته بعض الروايات المنتشرة أن أبا موسى عزل عليا وأن عمرو بن العاص ثبت معاوية رضي الله عنهم جميعا. وقد نقل ﺍﺑﻦ ﻋﺴﺎﻛﺮ ﺑﺴﻨﺪ ﺭﺟﺎﻟﻪ ﺛﻘﺎﺕ ﻋﻦ ﺳﻌﻴﺪ ﺑﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻌﺰﻳﺰ ﺍﻟﺘﻨﻮﺧﻲ ﺃﻋﻠﻢ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﺄﻣﺮ ﺍﻟﺸﺎﻡ ﺃﻧﻪ ﻗﺎﻝ: “ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻲ ﺑﺎﻟﻌﺮﺍﻕ ﻳﺪﻋﻰ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻭﻛﺎﻥ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﺑﺎﻟﺸﺎﻡ ﻳﺪﻋﻰ ﺍﻷ‌ﻣﻴﺮ ﻓﻠﻤﺎ ﻣﺎﺕ ﻋﻠﻲ ﺩﻋﻲ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﺑﺎﻟﺸﺎﻡ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ”، ﻓﻬﺬﺍ ﺍﻟﻨﺺ ﻳﺒﻴﻦ ﺃﻥ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﻟﻢ ﻳﺒﺎﻳﻊ ﺑﺎﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﺇﻻ‌ ﺑﻌﺪ ﻭﻓﺎﺓ ﻋﻠﻲ، ﻭﺇﻟﻰ ﻫﺬﺍ ﺫﻫﺐ ﺍﻟﻄﺒﺮﻱ. ﻓﻘﺪ ﻗﺎﻝ ﻓﻲ ﺁﺧﺮﺣﻮﺍﺩﺙ ﺳﻨﺔ ﺃﺭﺑﻌﻴﻦ: “ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺑﻮﻳﻊ ﻟﻤﻌﺎﻭﻳﺔ ﺑﺎﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﺑﺈﻳﻠﻴﺎء” ﻭﻋﻠﻖ ﻋﻠﻰ ﻫﺬﺍ ﺍﺑﻦ ﻛﺜﻴﺮ ﺑﻘﻮﻟﻪ: “ﻳﻌﻨﻲ ﻟﻤﺎ ﻣﺎﺕ ﻋﻠﻲ ﻗﺎﻡ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﺎﻡ ﻓﺒﺎﻳﻌﻮﺍ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﻋﻠﻰ ﺇﻣﺮﺓ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻷ‌ﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﺒﻖ ﻟﻪ ﻋﻨﺪﻫﻢ ﻣﻨﺎﺯﻉ”.
ﻭﻛﺎﻥ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﺎﻡ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ ﺑﺄﻥ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﻟﻴﺲ ﻛﻔﺌﺎً ﻟﻌﻠﻲ ﺑﺎﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ، كما أنه لا‌ ﻳﺠﻮﺯ ﺃﻥ يبايع ﺧﻠﻴﻔﺔ بعد ثبوت بيعة سيدنا ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ الله ﻋﻨﻪ، ﻓﺈﻥ ﻓﻀﻞ ﻋﻠﻲ ﻭﺳﺎﺑﻘﺘﻪ ﻭﻋﻠﻤﻪ ﻭﺩﻳﻨﻪ ﻭﺷﺠﺎﻋﺘﻪ ﻭﺳﺎﺋﺮ ﻓﻀﺎﺋﻠﻪ ﻛﺎﻧﺖ ﻋﻨﺪﻫﻢ ﻇﺎﻫﺮﺓ ﻣﻌﺮﻭﻓﺔ، ﻛﻔﻀﻞ ﺇﺧﻮﺍﻧﻪ ﺃﺑﻲ ﺑﻜﺮ ﻭﻋﻤﺮ ﻭﻋﺜﻤﺎﻥ ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻢ، ﻭﺇﺿﺎﻓﺔ ﺇﻟﻰ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺗﻤﻨﻊ ﻣﻦ ﻣﺒﺎﻳﻌﺔ ﺧﻠﻴﻔﺔ ﻣﻊ ﻭﺟﻮﺩ ﺍﻷ‌ﻭﻝ، ﻓﻘﺪ ﺃﺧﺮﺝ ﻣﺴﻠﻢ ﻓﻲ ﺻﺤﻴﺤﻪ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﺳﻌﻴﺪ ﺍﻟﺨﺪﺭﻱ ﻗﺎﻝ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ : “ﺇﺫﺍ ﺑﻮﻳﻊ ﻟﺨﻠﻴﻔﺘﻴﻦ ﻓﺎﻗﺘﻠﻮﺍ ﺍﻵ‌ﺧﺮ ﻣﻨﻬﻤﺎ” ﻭﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﻛﺜﻴﺮﺓ، ﻭﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺎﻝ ﺃﻥ ﻳﻄﺒﻖ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺨﺎﻟﻔﺔ ﺫﻟﻚ.
ﺍﻟﻐﺮﺍﺋﺐ ﺍﻟﺘﻲ ﺍﺷﺘﻤﻠﺖ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﺭﻭﺍﻳﺎﺕ ﺍﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻋﻨﺪ ﺃﺑﻲ ﻣﺨﻨﻒ
ﻭﻗﺪ ﺳﺠﻠﺖُ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻐﺮﺍﺋﺐ ﻋﻠﻰ ﺭﻭﺍﻳﺎﺕ ﺃﺑﻲ ﻣﺨﻨﻒ ﻫﺬﻩ ﺃﻫﻤﻬﺎ:
1- ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺭﻗﻢ (98)
، ﻗﻮﻝ سيدنا ﻋﻠﻲ ﺃﻧﻪ ﺻﺤﺐ ﻋﻤﺮﺍً ﺑﻦ ﺍﻟﻌﺎﺹ ﻃﻔﻼ‌ً.
وﻫﺬﺍ ﻻ‌ ﻳﺼﺢ ﺣﻴﺚ ﺃﻥ ﻋﻤﺮﺍً ﻛﺎﻥ ﺭﺟﻼ‌ً ﻳﻮﻡ ﻭﻻ‌ﺩﺓ ﻋﻠﻲ، ﻓﻬﻮ ﺃﺳﻦّ ﻣﻨﻪ ﺑﻤﺎ ﻳﺰﻳﺪ ﻋﻠﻰ ﻋﺸﺮﻳﻦ ﺳﻨﺔ، ﻓﻘﺪ ﺗﻮﻓﻲ ﻋﻤﺮﻭ ﺳﻨﺔ 44ﻫـ، ﻭﻋﻤﺮﻩ ﻳﻨﺎﻫﺰ ﺍﻟﺘﺴﻌﻴﻦ، ﻭﺗﻮﻓﻲ ﻋﻠﻲ ﺳﻨﺔ 40 ﻫـ ﻭﻋﻤﺮﻩ 63 ﺳﻨﺔ، ﻭﻗﻴﻞ 58 ﺳﻨﺔ.
2- ﻓﻲ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺭﻗﻢ (112 )
ﻗﻮﻝ ﻋﻤﺮﻭ ﺑﻦ ﺍﻟﻌﺎﺹ ﻷ‌ﺑﻲ ﻣﻮﺳﻰ: “ﺃﻧﺖ ﺃﺳﻦ ﻣﻨﻲ”.
ﻓﻬﺬﺍ ﻻ‌ ﻳﺼﺢ ﺫﻟﻚ ﺃﻥ ﺃﺑﺎ ﻣﻮﺳﻰ ﺗﻮﻓﻲ ﻫﻮ ﻭﻋﻤﺮﻭ ﻓﻲ ﺳﻨﺔ ﻭﺍﺣﺪﺓ ﻭﻛﺎﻥ ﻋﻤﺮﻩ 63 ﺳﻨﺔ، ﻭﻋﻤﺮﻭ ﻳﻨﺎﻫﺰ ﺍﻟﺘﺴﻌﻴﻦ.
3- ﻣﻦ ﺍﻟﻌﺠﻴﺐ ﺍﺷﺘﻬﺎﺭ ﺃﺑﻲ ﻣﻮﺳﻰ ﺑﺎﻟﺬﻛﺎﺀ ﻭﺍﻟﻔﻄﻨﺔ ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﻣﻊ ﺍﻟﺘﻘﻮﻯ ﻭﺍﻟﺒﺮ ﻭﺍﻟﺼﻼ‌ﺡ، ﻭﻗﺪ ﻭﻻه ﺍﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﺃﺷﺪ ﺍﻷ‌ﻋﻤﺎﻝ ﺣﺎﺟﺔ ﺇﻟﻰ ﻫﺬه ﺍﻟﺼﻔﺎﺕ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ، ﻭﻛﺎﻥ ﻋﻤﺮ ﻣﻦ ﺃﺷﺪ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺗﺤﺮّﻳﺎً ﻓﻲ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﻋﻤﺎﻟﻪ، ﻭﻗﺪ ﻭﻟّﻰ ﺃﺑﺎ ﻣﻮﺳﻰ ﺇﻣﺮﺓ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ ﻭﺍﻟﺒﺼﺮﺓ، ﻭﻭﻟﻲ ﺍﻟﺒﺼﺮﺓ ﻟﻌﺜﻤﺎﻥ ﺃﻳﻀﺎً.
ﻭﺑﻌﺪ ﻫﺬﺍ ﻛﻠﻪ ﻧﺠﺪ ﻓﻲ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﺭﻗﻢ (112) ﻗﻮﻟﻪ “ﻭﻛﺎﻥ ﺃﺑﻮ ﻣﻮﺳﻰ ﻣﻐﻔﻼ‌ً” ﻓﻬﺬﺍ ﻟﻴﺲ ﻗﺪﺣﺎً ﻓﻲ ﺃﺑﻲ ﻣﻮﺳﻰ ﻓﺤﺴﺐ، ﺑﻞ ﻓﻲ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﻋﻤﺮ ﻭﻋﺜﻤﺎﻥ ﺣﻴﺚ ﻭﻟّﻮﺍ ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﺑﻬﺬﻩ ﺍﻟﺼﻔﺔ ﻣﺸﺘﻤﻼ‌ً.
4- ﻓﻲ ﻧﻔﺲ ﺭﻭﺍﻳﺔ (112) ﻗﻮﻝ ﺃﺑﻲ ﻣﻮﺳﻰ ﺍﻷ‌ﺷﻌﺮﻱ: “ﻧﺨﻠﻊ ﻋﻠﻴﺎً ﻭﻣﻌﺎﻭﻳﺔ”.
ﻭﻫﻞ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﺧﻠﻴﻔﺔ ﺣﺘﻰ ﻳﺨﻠﻊ؟ ﻭﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻣﻦ ﺇﻣﺎﺭﺓ ﺍﻟﺸﺎﻡ، ﻓﻬﺬﺍ ﺭﺍﺟﻊ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻠﻲ ﺃﻣﺮ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ؟