السادة الأشاعرة

الأشعريون

من فضائل الأَشْعَريين

الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد:
قال الله – عز وجل – ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ﴾ [المائدة: 54].

عن عياض الأشعري – رضي الله عنه – يقول: (( لما نزلت: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾، قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -: هم قومك يا أبا موسى، وأومئ رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بيده إلى أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه))[5].

 

وعن أبي موسى – رضي الله عنه – قال: خرجنا من اليمن في بضع وخمسين من قومي، ونحن ثلاثة إخوة: أنا، وأبو رهم، وأبو عامر، فأخرجتنا سفينتنا إلى النجاشي، وعنده جعفر وأصحابه، فأقبلنا حين افتتحت خيبر[6]، فقال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -: لكم الهجرة مرتين، هاجرتم إلى النجاشي، وهاجرتم إليّ، وفي رواية: أنا وأخويا: أبو رهم، وأبو بردة، أنا أصغرهم))[7].

 

وعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – يقول: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -: (( يقدم عليكم غدًا أقوام هم أرق قلوبًا للإسلام منكم، قال – رضي الله عنه -: فقدم الأشعريون، فيهم أبو موسى الأشعري – رضي الله عنه – فلما دنوا من المدينة، جعلوا يرتجزون، يقولون:

غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه.

فلما أن قدموا تصافحوا، فكانوا هم أول من أحدث المصافحة))[8].

 

وعن أبي عامر الأشعري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -: (( نعم الحي الأسد، والأشعريون لا يفرون في القتال، ولا يغلون، هم مني وأنا منهم))[9].

 

وعن أبي موسى – رضي الله عنه – قال: قال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم -: ((إن الأشعريين إذا أرملوا[10] في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة؛ جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم ))[11].

وفي هذا الحديث فضيلة الأشعريين[12]، قال صاحب المفهم: “هذا الحديث يدل على أن الغالب على الأشعريين الإيثار، والمواساة عند الحاجة”[13]، وقال العيني: “وفيه منقبة عظيمة للأشعريين من إيثارهم ومواساتهم بشهادة سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه”[14].

 

وعن الزهري وعكرمة بن خالد، وعاصم بن عمر بن قتادة قالوا: وقدم الأشعريون على رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: وفيه: (( الأشعريون في الناس كصرة فيها مسك))[15].

 

وعن أبي موسى – رضي الله عنه -: قال النبي – صلى الله عليه وآله وسلم -: ((إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار، ومنهم حكيم[16] إذا لقي الخيل، أو قال: العدو، قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم[17] ))[18].
وعن أبي موسى – رضي الله عنه – قال: (( قدمت على رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – في نفر من الأشعريين خيبر فأسهم لنا مع الذين افتتحوها))[21].

 

وعن بريدة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم -: ((إن عبدالله بن قيس – أو الأشعري – أعطي مزمارًا من مزامير آل داود))[22]، وفي لفظ[23]: ((مر النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – على أبي موسى ذات ليلة وهو يقرأ، فقال – صلى الله عليه وآله وسلم -: (إن عبدالله بن قيس – أو الأشعري – أعطي مزمارًا من مزامير آل داود)، وزاد: فلما أصبح ذكروا ذلك له، فقال: لو كنت أعلمتني؛ لحبرت ذلك تحبيرًا)).

 

وعن أبي موسى – رضي الله عنه – قال: ((لما فرغ رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – من حُنين بعث أبا عامر الأشعري – رضي الله عنه – على جيش أوطاس، فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه، فرمى رجل أبا عامر في ركبته بسهم فأثبته، فقلت: يا عم! من رماك؟ فأشار إليه، فقصدت له فلحقته، فلما رآني ولَّى ذاهبًا، فجعلت أقول له: ألا تستحيي؟ ألست عربيًّا؟ ألا تثبت؟ قال: فكف، فالتقيت أنا وهو فاختلفنا ضربتين فقتلته، ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته، فنزا من الماء، فقال: يا ابن أخي: انطلق إلى رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فأقرئه مني السلام، وقل له: يستغفر لي، واستخلفني أبو عارم على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فلما قدمنا وأخبرت النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – توضأ ثم رفع يديه، ثم قال: اللهم اغفر لعبدك أبي عامر، حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك، قلت: ولي يا رسول الله؟ فقال: اللهم اغفر لعبدالله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريمًا)) [24].


[1] الأَشْعَري: بالشين المعجمة، والعين المهملة، منسوب إلى الأَشْعَر، واسمه نَبْت بن أُدَد بن زيد بن يَشْجُب بن عَريب بن زيد بن كَهْلان بن سبأ، وقيل له الأشعري؛ لأن أمه ولدته وهو أشعر، وقيل: إنهم من رمع، قال نصر: رمع قرية أبي موسى ببلاد الأشعريين من اليمن قرب غسان وزبيد؛ نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب (1/15)، القلقشندي، مغاني الأخيار في شرح أسامى رجال معاني الآثار (5/384)، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري (18/254) للعيني، ومعجم البلدان(3/68) ياقوت الحموي.

[2] الرد على البكري(1/391).

[3] الذود: من الابل: ما بين الثلاث إلى العشر، وهى مؤنثة ولا واحد لها من لفظها، والكثير أذواد، وفى المثل: “الذود إلى الذود إبل”، وقولهم: “إلى” بمعنى: مع؛ أي: إذا جمعت القليل مع القليل صار كثيرًا؛ تاج اللغة وصحاح العربية (3/33).

[4] مفاتيح الغيب (16/129) للرازي، وتفسير القرطبي (8/228).

[5] أخرجه الحاكم (2/342)، وقال: “هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه”، وقال الذهبي: “على شرط مسلم”، والطبراني رقم: (14423)، وابن أبي شيبة رقم: (32261)، وغيرهم، وهو صحيح.

[6] فائدة: قال الحافظ: ” كان قدوم أبي موسى – رضي الله عنه – على النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – عند فتح خيبر؛ لما قدم جعفر بن أبي طالب – رضي الله عنه – وقيل: إنه قدم عليه بمكة قبل الهجرة، ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قدم الثانية صحبة جعفر، والصحيح أنه خرج طالبًا المدينة في سفينة فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر ثم قدموا بصحبته”؛ فتح الباري(8/97).

[7] سير أعلام النبلاء(3/338)، وانظر: مسند الروياني رقم: (468).

[8] أخرجه أحمد (3/155،223)؛ وقال شعيب الأرناؤوط: “حديث صحيح، وهذا إسناد حسن”،

[9] أخرجه الترمذي رقم: (3947)، وقال: “هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث وهب بن جرير، ويقال الأسد هم الأزد”، والحاكم (2/150)، وقال: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”، وقال الذهبي: “صحيح”.

[10] فني طعامهم؛ شرح النووي على مسلم (16/62).

[11] أخرجه البخاري رقم: (2354)، ومسلم (2500)، فائدة: قال العلامة العثيمين – رحمه الله – ” وهذا الحديث أصل في الجمعيات التعاونية التي يفعلها بعض الناس اليوم “؛ شرح رياض الصالحين (1/595).

[12] شرح النووي على مسلم (16/62).

[13] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (9/245) للقرطبي.

[14] عمدة القاري شرح صحيح البخاري (19/370).

[15] أخرجه ابن سعد في “الطبقات” (1/ 349)،

[16] قال القاضي: “واختلف شيوخنا في المراد بحكيم هنا، فقال أبو على الجياني: هو اسم علم لرجل، وقال أبو علي الصدفي: هو صفة من الحكمة”؛ شرح مسلم للنووي (16/16).

[17] أي: تنتظروهم، ومنه قوله تعالى: ﴿ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ﴾. شرح مسلم للنووي (16/16).

[18] أخرجه البخاري رقم: (3991)، وأخرجه مسلم رقم: (2499).

[19] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (9/245).

[20] أخرجه البخاري رقم: (2964).

[21] أخرجه الترمذي رقم: (1559)،

[22] أخرجه مسلم رقم: (793)، والبخاري في الأدب المفرد (805)، وأحمد (5/351).

[23] أخرجه النسائي في السنن الكبرى (5/23) رقم: (8058)،

[24] أخرجه البخاري رقم: (4068)، وأخرجه مسلم رقم: (2498).