تمهيد حول ما جرى بين الصحابة

تمهيد حول ما جرى بين الصحابة
ﻗﺎﻝ رسول الله ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: “ﻳﺄﺗﻲ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺯﻣﺎﻥ ﻳﻐﺰﻭ ﻓﺌﺎﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻴﻘﺎﻝ ﻟﻬﻢ: ﻫﻞ ﻓﻴﻜﻢ ﻣﻦ ﺭﺃﻯ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ؟ ﻓﻴﻘﻮﻟﻮﻥ: ﻧﻌﻢ، ﻓﻴﻔﺘﺢ ﻟﻬﻢ، ﺛﻢ ﻳﻐﺰﻭ ﻓﺌﺎﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻴﻘﺎﻝ ﻟﻬﻢ: ﻫﻞ ﻓﻴﻜﻢ ﻣﻦ ﺭﺃﻯ ﻣﻦ ﺻﺤﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ؟ ﻓﻴﻘﻮﻟﻮﻥ: ﻧﻌﻢ، ﻓﻴﻔﺘﺢ ﻟﻬﻢ، ﺛﻢ ﻳﻐﺰﻭ ﻓﺌﺎﻡ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ، ﻓﻴﻘﺎﻝ ﻟﻬﻢ: ﻫﻞ ﻓﻴﻜﻢ ﻣﻦ ﺭﺃﻯ ﻣﻦ ﺻﺤﺐ ﻣﻦ ﺻﺤﺐ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻓﻴﻘﻮﻟﻮﻥ: ﻧﻌﻢ، ﻓﻴﻔﺘﺢ ﻟﻬﻢ” متفق عليه واللفظ للبخاري.(1)
وﻗﺎﻝ رسول الله ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: “ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺃﻣﻨﺔ ﻟﻠﺴﻤﺎﺀ، ﻓﺈﺫﺍ ﺫﻫﺒﺖ ﺍﻟﻨﺠﻮﻡ ﺃﺗﻰ ﺍﻟﺴﻤﺎﺀ ﻣﺎ ﺗﻮﻋﺪ، ﻭﺃﻧﺎ ﺃﻣﻨﺔ ﻷ‌ﺻﺤﺎﺑﻲ، ﻓﺈﺫﺍ ﺫﻫﺒﺖ ﺃﺗﻰ ﺃﺻﺤﺎﺑﻲ ﻣﺎ ﻳﻮﻋﺪﻭﻥ، ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻲ ﺃﻣﻨﺔ ﻷ‌ﻣﺘﻲ، ﻓﺈﺫﺍ ﺫﻫﺐ ﺃﺻﺤﺎﺑﻲ ﺃﺗﻰ ﺃﻣﺘﻲ ﻣﺎ ﻳﻮﻋﺪﻭﻥ” رواه مسلم (2)
دأب طوائف من الزنادقة على الترويج لذم الصحابة رضوان الله عليهم والنيل منهم وهدفهم في الحقيقة النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وليعلم أن سبب ما وقع بين الصحابة من الفتن هو مقتل سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه. فقد قام الخبيث عبدالله بن سبأ لعنه الله بتدبير المكائد وتأليب الناس على سيدنا عثمان رضي الله عنه حتى التف حوله جمع من الغوغاء وأراذل الناس، واجتمعوا على قتل سيدنا عثمان رضي الله عنه، فقتلوه في بيته وهو يقرأ القرآن الكريم، وكان مقتله مما يدمي القلب.
ولا بد من التنبيه أنه لم يكن ممن قتل عثمان رضي الله عنه أحد من الصحابة الكرام بل لم يشارك أو يقبل أحد منهم بما حصل، وإن قيل لما لم يقاتلوا ويدافعوا عنه؟ قلت: ﻷنه رضي الله عنه رفض أن يحصل قتال بين المسلمين بسببه فاختار أن يكون عبدالله المقتول على أن يكون عبدالله القاتل كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكل ما في كتب التاريخ من اتهام لعلي أو طلحة أو الزبير أو غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بقتله أو المشاركة بقتله فهو كذب وافتراء ليس فيه شيء من الصحة، بل كلها روايات مكذوبة هدفها تشويه صورة الصحابة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

_______________________________________________________
(1) رواه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة رضي الله عنهم
(2) رواه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب بيان أن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة
وبمقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه(1)، اضطرب أمر اﻷمة وانتشرت الفتن واختلط الحابل بالنابل فكان ﻻ بد من اختيار خليفة لمواجهة هذا الخطر المحدق، فعرض اﻷمر على سيدنا علي رضي الله عنه فرفض ثم على طلحة والزبير رضي الله عنهما فرفضا فرجع الناس إلى سيدنا علي رضي الله عنه وأخبروه أنه إن لم يقبل بقيت اﻷمة من غير رأس فبايعوه وكان ممن بايعه طلحة والزبير رضي الله عنهما باختيارهما ولم يكونا مكرهين على ذلك.

—————————————————————–
(1) ﻟﻤﺎ ﺍﺷﺘﺪ ﻋﻠﻰ سيدنا ﻋﺜﻤﺎﻥ رضي الله عنه ﺍﻟﻜﺮﺏ، ﻭﺗﻔﺎﻗﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺸﺮ ﻧﻔﺮ ﺇﻟﻰ ﺣﻤﺎﻳﺘﻪ الكثير ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻭﺃﺑﻨﺎﺋﻬﻢ, كعبد ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﻭﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺍﻟﺰﺑﻴﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﻌﻮﺍﻡ ﻭﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻭﺍﻟﺤﺴﻴﻦ ﻭﺃﺑﻮ ﻫﺮﻳﺮﺓ، ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ رضوان الله عليهم. ﻟﻜﻦ ﺫﺍ ﺍﻟﻨﻮﺭﻳﻦ ﻭﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﻬﺠﺮﺗﻴﻦ ﻭﺑﺎﺫﻝ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﺍَﺛﺮ ﺃﻥ ﻳﺮﺍﻕ ﺩﻣﻪ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ ﺗﺮﺍﻕ ﺩﻣﺎﺀ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﺩﻓﺎﻋﺎ ﻋﻨﻪ، ﻓﺄﻗﺴﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻧﻔﺮﻭﺍ ﺇﻟﻰ ﺣﻤﺎﻳﺘﻪ ﺃﻥ ﻳﺘﺮﻛﻮﻩ ﻟﻘﻀﺎﺀ ﺍﻟﻠﻪ. ﻭﻟﻘﺪ ﻏﻔﺖ ﻋﻴﻦ ﺧﻠﻴﻔﺔ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻟﺤﻈﺎﺕ ﻗﺒﻴﻞ ﻣﺼﺮﻋﻪ ﻓﺮﺃﻯ ﺍﻟﻨﺒﻲ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﺃﻓﻀﻞ ﺍﻟﺼﻼ‌ﺓ ﻭﺃﺯﻛﻰ ﺍﻟﺘﺴﻠﻴﻢ ﻭﻣﻌﻪ ﺻﺎﺣﺒﺎﻩ ﺃﺑﻮ ﺑﻜﺮ ﺍﻟﺼﺪﻳﻖ ﻭﻋﻤﺮ ﺑﻦ ﺍﻟﺨﻄﺎﺏ ﻭﺳﻤﻊ رسول الله ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻳﻘﻮﻝ ﻟﻪ: “ﺃﻓﻄﺮ ﻋﻨﺪﻧﺎ ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ ﻳﺎ ﻋﺜﻤﺎﻥ”، ﻓﺄﻳﻘﻦ ﻋﺜﻤﺎﻥ رضي الله عنه بدنو أجله.
لقد ﺃﺻﺒﺢ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺭﺿﻮﺍﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﺻﺎﺋﻤﺎ ﻭﺩﻋﺎ ﺑﺴﺮﺍﻭﻳﻞ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﻓﻠﺒﺴﻬﺎ ﺧﺸﻴﺔ ﺃﻥ ﺗﻜﺸﻒ ﻋﻮﺭﺗﻪ ﺇﺫﺍ ﻗﺘﻠﻪ الفجرة الظالمون. ﻭهو ينتظر لقائه مع حبيبه ﺭﺳﻮل الله ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻭﻣﺼﺪﻗﺎً ﻟﻜﻠﻤﺎﺗﻪ ﺣﻴﻦ ﻗﺎﻝ: ” ﻳﺎﻋﺜﻤﺎﻥ ﺇﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻘﻤﺼﻚ ﻗﻤﻴﺼﺎً ﻓﺈﻥ ﺃﺭﺍﺩﻙ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻮﻥ ﻋﻠﻰ ﺧﻠﻌﻪ ﻓﻼ‌ ﺗﺨﻠﻌﻪ ﺣﺘﻰ ﺗﻠﻘﺎﻧﻰ”. ﻭﻓﻰ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ﻟﺜﻤﺎﻧﻰ ﻋﺸﺮﺓ ﻟﻴﻠﺔ ﺧﻠﺖ ﻣﻦ ﺫﻯ ﺍﻟﺤﺠﺔ، ﻗﺘﻞ العابد ﺍﻟﺰﺍﻫﺪ ﺍﻟﺼﻮﺍﻡ ﺍﻟﻘﻮﺍﻡ جامع ﺍﻟﻘﺮﺍَﻥ ﺻﻬﺮ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ خير بني عدنان ﻭﻫﻮ صائم ﻇﻤﺎَﻥ تاليا للقرآن. ﻭﺳﺎﻝ ﺪمه ﻋﻠﻰ ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ : “ﻓﺴﻴﻜﻔﻴﻜﻬﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻭﻫﻮ ﺍﻟﺴﻤﻴﻊ ﺍﻟﻌﻠﻴﻢ “. ﻓﺮضي ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻦ سيدي ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻭﻋﻦ ﺳﺎﺋﺮ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺃﺟﻤﻌﻴﻦ .
وقد روى الترمذي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصا فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم” وقال الترمذي هذا حسن غريب (يتبع) (تابع لهامش الصفحة السابقة) وروى ابن ماجه عن النعمان بن بشير ﻋﻦ ﻋﺎﺋﺸﺔ ﻗﺎﻟﺖ: ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ: ” ﻳﺎ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺇﻥ ﻭﻻ‌ﻙ ﺍﻟﻠﻪ ﻫﺬﺍ ﺍﻷ‌ﻣﺮ ﻳﻮﻣﺎ، ﻓﺄﺭﺍﺩﻙ ﺍﻟﻤﻨﺎﻓﻘﻮﻥ ﺃﻥ ﺗﺨﻠﻊ ﻗﻤﻴﺼﻚ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﻤﺼﻚ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻼ‌ ﺗﺨﻠﻌﻪ ” ﻳﻘﻮﻝ : ﺫﻟﻚ ﺛﻼ‌ﺙ ﻣﺮﺍﺕ، ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻨﻌﻤﺎﻥ: ﻓﻘﻠﺖ ﻟﻌﺎﺋﺸﺔ: ﻣﺎ ﻣﻨﻌﻚ ﺃﻥ ﺗﻌﻠﻤﻲ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻬﺬﺍ؟ ﻗﺎﻟﺖ: ﺃﻧﺴﻴﺘﻪ ﻭﺍﻟﻠﻪ.
وقال الحافظ السخاوي في لمقاصد الحسنة فيما اشتهر على اﻷلسنة: ﺣَﺪِﻳﺚٌ: “ﻛُﻦْ ﻋَﺒْﺪَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﺍﻟْﻤَﻈْﻠُﻮﻡَ ﻭَﻻ‌ ﺗَﻜُﻦْ ﻋَﺒْﺪَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﺍﻟﻈَّﺎﻟِﻢَ”، ﻫﻮ ﺑﻤﻌﻨﺎﻩ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻄﺒﺮﺍﻧﻲ ﻣﻦ ﺣﺪﻳﺚ ﺧﺒَّﺎﺏ ﻓﻲ ﺣﺪﻳﺚ ﺑﻠﻔﻆ: ﻓﻜﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠَّﻪ ﺍﻟﻤﻘﺘﻮﻝ ﻭﻻ‌ ﺗﻜﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠَّﻪ ﺍﻟﻘﺎﺗﻞ، ﻭﻣﻦ ﺣﺪﻳﺚ ﺷﻬﺮ ﺑﻦ ﺣﻮﺷﺐ ﻋﻦ ﺟﻨﺪﺏ ﺑﻦ ﺳﻔﻴﺎﻥ ﺍﻟﻄﺮﻑ ﺍﻷ‌ﻭﻝ ﺧﺎﺻﺔ، ﻭﺃﺧﺮﺟﻪ ﻫﻮ ﻭﺃﺣﻤﺪ ﻭﺍﻟﺤﺎﻛﻢ ﻭﺍﺑﻦ ﻗﺎﻧﻊ ﻋﻦ ﺧﺎﻟﺪ ﺑﻦ ﻋﺮﻓﻄﺔ ﻓﻲ ﺣﺪﻳﺚ ﺃﻳﻀﺎ ﻟﻔﻈﻪ: ﻓﺈﻥ ﺍﺳﺘﻄﻌﺖ ﺃﻥ ﺗﻜﻮﻥ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠَّﻪ ﺍﻟﻤﻘﺘﻮﻝ ﻻ‌ ﺍﻟﻘﺎﺗﻞ ﻓﺎﻓﻌﻞ، ﻭﺑﻌﻀﻬﺎ ﻳﻘﻮﻯ ﺑﺒﻌﺾ.
وبذلك انعقدت البيعة لسيدنا علي رضي الله عنه فكان رابع الخلفاء الراشدين، وكان من أصعب ما ينبغي أن يواجهه الفتن التي اشتعلت بسبب مقتل عثمان رضي الله عنه، ولاسيما مطالبة طائفة من المسلمين بالاقتصاص من القتلة الذين كان لهم أنصار وقبائل تحميهم أو تأويهم، فرأى رضي الله عنه أن يؤخر الاقتصاص منهم حتى تنطفئ الفتن ويثبت أمر الحكم، فلذلك لم يبادر إلى الاقتصاص من القتلة. ولما مضت أربعة أشهر ولم يقتص سيدنا علي رضي الله عنه منهم وكان المطالبون بدم عثمان ينتظرون أن يبادر سيدنا علي بالاقتصاص من القتلة خرج بعض الصحابة يطالبونه بالاسراع بذلك ﻷنهم رأوا أن تأخير ذلك سيؤدي إلى تجرئ السفلة على مقام الخلافة وعندها لن يستقيم أمر اﻷمة. فكان هذا اجتهاد عائشة وطلحة والزبير ومعاوية ووافقهم عليه عمرو بن العاص وعبدالله بن الزبير وعبيدالله بن عمر بن الخطاب وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. وهنا لا بد من التنبيه إلى أن أهل الشام أبوا أن يبايعوا عليا رضي الله عنه حتى يقتص لهم من القتلة، وبهذا يعلم أنه لم ينازع أحد من الصحابة في الخلافة ولم يختلفوا من أجلها بل كلهم كانوا يرون أن سيدنا علي هو الامام وهو اﻷولى بها، ولكن الخلاف كان حول الاقتصاص من القتلة أو تأخيره. وأما الصحابة الذين اعتزلوا الفريقين، فسبب اعتزالهم ما بلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من اﻷحاديث عن اعتزال الفتن لاسيما وهم لم يتبين لهم الصواب واضحا جليا، فلما اشتبه عليهم اﻷمر ولم يتوصلوا باجتهادهم إلى الصواب في المسألة اعتزلوا، منهم سيدنا سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وابن مسعود وأسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه ومحمد بن مسلمة الأنصاري البدري وعبدالله بن سلام وعمران بن الحصين وأبو أسيد مالك بن ربيعة الساعدي وعبدالله بن عمر وأبو هريرة وصهيب الرومي وأبو أيوب الأنصاري وسعيد بن العاص وأبو بكرة وجرير بن عبدالله البجلي وأنس بن مالك وحنظلة بن الربيع كاتب النبي صلى الله عليه وسلم وأبو موسى اﻷشعري رضي الله عنهم أجمعين وقد كان بعضهم يحث الناس على اعتزال تلك الفتن كسيدنا عمران بن الحصين وسيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، الذي قبل لاحقا بان يكون حكما لرجائه الصلح وسيأتي لاحقا بيان اﻷكاذيب الرافضية في قصة التحكيم، بل يروى أنه لم يشارك في معركتي الجمل وصفين إلا سبعة من البدريين والباقون اعتزلوا. قال الشيخ احمد بن زيني دحلان في كتابه الفتوحات الاسلامية:(1 )

“ولما حصره –أي سيدنا عثمان رضي الله عنه- المنافقون وقتلوه بايع الناس بعده علي بن ابي طالب وبايعه ايضا القوم الذين حصروا عثمان وقتلوه، فوقعت الفتنة بين الصحابة لذلك، فقال الذين امتنعوا من بيعته لا نبايعك حتى تعطينا قتلة عثمان نقتص منهم، فقال علي:بايعوني اولا ثم بعد ذلك نتتبع قتلة عثمان، فمن ثبت عليه شرعا موجب القصاص نقتص منه، وأما الاقتصاص

—————————————–
(1) ﺃﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺯﻳﻨﻲ ﺩﺣﻼ‌ﻥ ﺍﻟﺤﺴﻨﻲ: هو إﻣﺎﻡ ﺍﻟﺤﺮﻣﻴﻦ، ﻭﻣﻔﺘﻲ ﻭﻓﻘﻴﻪ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻴﺔ ﻓﻲ ﻋﺼﺮﻩ ﺃﻭﺍﺧﺮ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﺍﻟﻌﺜﻤﺎﻧﻴﺔ. يرجع نسبه لسيدي عبدالقادر الجيلاني رضي الله عنه ﺃﻟﻒ ﻋﻦﺍﻟﻮﻫﺎﺑﻴﺔ، ﻭﺍﻧﺘﻘﺪ ﺑﻌﺾ ﻧﻮﺍﺣﻲ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ. وهو ممن يستدل به مصنف التعليق المفيد كثيرا في ردوده. ﻭﻟﺪ ﻓﻲ ﻣﻜﺔ ﺍﻟﻤﻜﺮﻣﺔ ﺳﻨﺔ 1231 ﻫـ، ﻭﻧﺸﺄ ﻭﺗﺮﺑﻰ ﻓﻴﻬﺎ، ﻭﻋﺮﻑ ﻋﻦ ﺑﻴﺘﻪ ﺑﻤﻜﺔ ﺍﻟﻤﻜﺮﻣﺔ ﺑﺄﻧﻪ ﺑﻴﺖ ﻋﻠﻢ ﻭﺩﻳﻦ ﻭﻣﻌﺮﻓﺔ. ﺗﻮﻓﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﺍﻟﻤﻨﻮﺭﺓ ﺳﻨﺔ 1304 ﻫـ ﻭﺩﻓﻦ ﻓﻴﻬﺎ

منهم قبل دخولكم في البيعة فإنه عسر جدا لان لهم قبائل وعشائر يتعصبون لهم فتنتشر الفتنة وتزداد. هذا هو السبب في الاختلاف الذي وقع بينهم فنشأ عنه وقعة الجمل ووقعة صفين، وتمسك كل من الفريقين بحجج وادلة، وتعارضت الادلة عند بعضهم فاعتزلوا الفريقين منهم سعد بن ابي وقاص وعبد الله بن عمر وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة. وبقي الامر مشتبها بين الناس الى زمن الائمة الاربعة، فنظروا في الحجج والادلة التي تمسك بها كل فريق، فظهر لهم واتضح تصويب اجتهاد علي وتخطئة اجتهاد غيره، لكن لما كان ذلك الخطأ ناشئا عن اجتهاد لم يأثموا به لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ” فلا سبيل الى الحكم بتأثيم أحد منهم، فلذلك كان مذهب اهل السنة السكوت عما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم وتأويله وحمله على أحسن المحامل تحسينا للظن بهم، لان الله تعالى أثنى عليهم وشهد لهم بالصدق وأخبر بأنهم رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، فالقدح فيهم يوجب تكذيب الآيات القرآنية والاحاديث النبوية، ويوجب ايضا الحكم عليهم بالفسق، فيستلزم ذلك إسقاط ما جاء عنهم من السنة والتشريع الذي نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيستلزم ذلك إبطال الشريعة، بخلاف ما إذا حمل ما وقع منهم على الاجتهاد الذي لا إثم فيه. فمذهب اهل السنة هو المذهب الحق الذي من عدل عنه فقد زاغ وضل ومن تمسك به فقد نجا”. انتهى كلام الامام أحمد دحلان
تنبيه مهم: قد يزعم البعض أن سيدنا معاوية رضي الله عنه كان يستغل دم عثمان لاثارة الناس وتحريضهم عل سيدنا علي رضي الله عنه طلبا للملك والسلطة.(2)
فالجواب: أن الناس لم يكونوا بحاجة لذلك ﻷن الغضب على قتل سيدنا عثمان رضي الله عنه ﻻ يحتاج لمن يؤججه, فإننا نشاهد في أيامنا حالة الغضب التي تجتاح العامة عند قتل زعيم, بل أحيانا بقتل رجل معروف أنه من أراذل الناس وتمضي فترة طويلة ولا يزول هذا الغضب. فكيف بقتل سيد من سادات أولياء اﻷمة عثمان ذي النورين رضي الله عنه، هل يفكر عاقل بأن دم انسان عادي يثير ما يثيره من الغضب ودم عثمان رضي الله عنه بحاجة لمن يثيره، بل إلى يومنا لا يذكر مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه إلا وتمتلأ القلوب حزنا وتعتصر ألما وتستشيط غضبا، فكيف بأهل زمنه!! وأما الدخول في تعيين قصد سيدنا معاوية رضي الله عنه ونيته فدخول فيما لا يعلمه إلا الله. ويجدر التنبيه إلى أن نائلة زوجة سيدنا عثمان رضي الله عنها كانت استجارت بسيدنا معاوية رضي الله عنه وجائته إلى الشام التي كان
___________________________________________________
(1) إﻥ الحكم على سيدنا ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ رضي الله عنه بأنه قاتل من أجل الدنيا والسلطة ﻻ‌ فائدة منه ﺑﻌﺪ ﺃﻥ شهد ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﻌﺪﻝ ﺍﻟﻠﻄﻴﻒ ﺍﻟﺨﺒﻴﺮ له بالجنة والمغفرة ﺣﻴﺚ ﻗﺎﻝ (ﻟﻘﺪ ﺗﺎﺏ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻨﺒﻲ ﻭﺍﻟﻤﻬﺎﺟﺮﻳﻦ ﻭﺍﻷ‌ﻧﺼﺎﺭﺍﻟﺬﻳﻦ ﺍﺗﺒﻌﻮﻩ ﻓﻲ ﺳﺎﻋﺔ ﺍﻟﻌﺴﺮﺓ )ﺍﻵ‌ﻳﺎﺕ وقال: (وكلا وعد الله الحسنى) ﻓﻬﺐ ﺍﻥ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﻓﻌﻞ ﻭﻓﻌﻞ ﻓلماذا يذكر ذلك مع أن الله تعالى ﺗﺎﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﻭأعطاه ﺟﻨﺔ ﻋﺮﺿﻬﺎ ﺍﻟﺴﻤﻮﺍﺕ ﻭﺍﻷ‌ﺭﺽ، ﻭلما الدخول في قوم ﻗﺪ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻴﻬﻢ (ﻭﻧﺰﻋﻨﺎ ﻣﺎ ﻓﻲ ﺻﺪﻭﺭﻫﻢ ﻣﻦ ﻏﻞ ﺇﺧﻮﺍﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺳﺮﺭ ﻣﺘﻘﺎﺑﻠﻴﻦ ﻻ‌ ﻳﻤﺴﻬﻢ ﻓﻴﻬﺎ ﻧﺼﺐ ﻭﻣﺎﻫﻢ ﻣﻨﻬﺎ ﺑﻤﺨﺮﺟﻴﻦ ) ﻓﺈﻥ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻲ ﻣﻈﻠﻮﻣﺎ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺳﻴﻨﺼﻔﻪ ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﻇﺎﻟﻤﺎ ﻓﺈﻥ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﻴﻌﻔﻮ ﻋﻨﻪ ﻭﻳﻐﻔﺮ ﻟﻪ (ﺗﻠﻚ ﺃﻣﺔ ﻗﺪ ﺧﻠﺖ ﻟﻬﺎ ﻣﺎ ﻛﺴﺒﺖ ﻭﻟﻜﻢ ﻣﺎ ﻛﺴﺒﺘﻢ ﻭﻻ‌ ﺗﺴﺌﻠﻮﻥ ﻋﻤﺎ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﻳﻌﻤﻠﻮﻥ).
واليها ومعها قميص عثمان رضي الله عنه المضرج بدمائه وأصابعها المقطوعة بضربة قتلته ومثل ذلك كفيل بتحريك سيدنا معاوية رضي الله عنه وغيره سوا كان طالبا للملك أم لم يكن. ولكن واجب تحسين الظن بالمسلمين ولاسيما بمن كان من الصحابة يقتضي منا أن نعرض عن الروايات الضعيفة التي تسورت على قلب سيدنا معاوية رضي الله عنه ورمته بطلب الملك والسلطة.