كلمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الواحد اﻷحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يتخذ صاحبة وﻻ ولد .
والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا وقائدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا، من خصه الله بالقرآن وفضله على اﻷنام، وعلى آله مصابيح الدجى وشموس العرفان، وصحابته نجوم الهداية على مر الزمان، أما بعد.
قال الله تعالى: (ﻭَﺍﻟﺴَّﺎﺑِﻘُﻮﻥَ ﺍﻷ‌َﻭَّﻟُﻮﻥَ ﻣِﻦَ ﺍﻟْﻤُﻬَﺎﺟِﺮِﻳﻦَ ﻭَﺍﻷ‌َﻧْﺼَﺎﺭِ ﻭَﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺍﺗَّﺒَﻌُﻮﻫُﻢْ ﺑِﺈِﺣْﺴَﺎﻥٍ ﺭَﺿِﻲَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﻋَﻨْﻬُﻢْ ﻭَﺭَﺿُﻮﺍ ﻋَﻨْﻪُ ﻭَﺃَﻋَﺪَّ ﻟَﻬُﻢْ ﺟَﻨَّﺎﺕٍ ﺗَﺠْﺮِﻱ ﺗَﺤْﺘَﻬَﺎ ﺍﻷ‌َﻧْﻬَﺎﺭُ ﺧَﺎﻟِﺪِﻳﻦَ ﻓِﻴﻬَﺎ ﺃَﺑَﺪًﺍ ﺫَﻟِﻚَ ﺍﻟْﻔَﻮْﺯُ ﺍﻟْﻌَﻈِﻴﻢُ)[ﺍﻟﺘﻮﺑﺔ:100].
ﻭﻗﺎﻝ الله تعالى:(ﻣُﺤَﻤَّﺪٌ ﺭَﺳُﻮﻝُ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﻣَﻌَﻪُ ﺃَﺷِﺪَّﺍﺀُ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻟْﻜُﻔَّﺎﺭِ ﺭُﺣَﻤَﺎﺀُ ﺑَﻴْﻨَﻬُﻢْ ﺗَﺮَﺍﻫُﻢْ ﺭُﻛَّﻌًﺎ ﺳُﺠَّﺪًﺍ ﻳَﺒْﺘَﻐُﻮﻥَ ﻓَﻀْﻼ‌ً ﻣِﻦَ ﺍﻟﻠَّﻪِ ﻭَﺭِﺿْﻮَﺍﻧًﺎ ﺳِﻴﻤَﺎﻫُﻢْ ﻓِﻲ ﻭُﺟُﻮﻫِﻬِﻢْ ﻣِﻦْ ﺃَﺛَﺮِ ﺍﻟﺴُّﺠُﻮﺩِ ﺫَﻟِﻚَ ﻣَﺜَﻠُﻬُﻢْ ﻓِﻲ ﺍﻟﺘَّﻮْﺭَﺍﺓِ ﻭَﻣَﺜَﻠُﻬُﻢْ ﻓِﻲ ﺍﻹ‌ِﻧْﺠِﻴﻞِ ﻛَﺰَﺭْﻉٍ ﺃَﺧْﺮَﺝَ ﺷَﻄْﺄَﻩُ ﻓَﺂَﺯَﺭَﻩُ ﻓَﺎﺳْﺘَﻐْﻠَﻆَ ﻓَﺎﺳْﺘَﻮَﻯ ﻋَﻠَﻰ ﺳُﻮﻗِﻪِ ﻳُﻌْﺠِﺐُ ﺍﻟﺰُّﺭَّﺍﻉَ ﻟِﻴَﻐِﻴﻆَ ﺑِﻬِﻢُ ﺍﻟْﻜُﻔَّﺎﺭَ ﻭَﻋَﺪَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺁَﻣَﻨُﻮﺍ ﻭَﻋَﻤِﻠُﻮﺍ ﺍﻟﺼَّﺎﻟِﺤَﺎﺕِ ﻣِﻨْﻬُﻢْ ﻣَﻐْﻔِﺮَﺓً ﻭَﺃَﺟْﺮًﺍ ﻋَﻈِﻴﻤﺎً) [ﺍﻟﻔﺘﺢ:29].
ﻭﻗﺎﻝ الله تعالى: (ﻻ‌ ﻳَﺴْﺘَﻮِﻱ ﻣِﻨْﻜُﻢْ ﻣَﻦْ ﺃَﻧْﻔَﻖَ ﻣِﻦْ ﻗَﺒْﻞِ ﺍﻟْﻔَﺘْﺢِ ﻭَﻗَﺎﺗَﻞَ ﺃُﻭﻟَﺌِﻚَ ﺃَﻋْﻈَﻢُ ﺩَﺭَﺟَﺔً ﻣِﻦَ ﺍﻟَّﺬِﻳﻦَ ﺃَﻧْﻔَﻘُﻮﺍ ﻣِﻦْ ﺑَﻌْﺪُ ﻭَﻗَﺎﺗَﻠُﻮﺍ ﻭَﻛُﻠًّﺎ ﻭَﻋَﺪَ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺍﻟْﺤُﺴْﻨَﻰ) [ﺍﻟﺤﺪﻳﺪ:10].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خير القرون قرني”
وقال أيضا:” ﻻ تسبوا أصحابي فلو أنفقتم مثل أحد ذهبا ما بلغتم مد أحدهم ولا نصيفه”
فهذا يدلنا على فضل الصحابة رضوان الله عليهم وخطورة التعرض لمقامهم العالي، ولاسيما ما حصل بينهم من خلافات وفتن, لما في التعرض لهم من مزالق زلت بها الأقدام.
وسبب هذه الفتن هو ﺗﺂﻣﺮ  ﻣﺎﻛﺮ ﺧﺒﻴﺚ ﺗﻈﺎﻫﺮ ﺑﺎﻹ‌ﺳﻼ‌ﻡ ﻛﺬﺑﺎً ﻭﺯﻭﺭﺍً ﻫﻮ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺳﺒﺄ  ، ﻓﺄﺧﺬ  ﻳﻨﻔﺚ ﺣﻘﺪﻩ ﻭﺳﻤﻮﻣﻪ ﺿﺪ ﺍﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻠﻔﺎﺀ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪﻳﻦ : ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﻋﻔﺎﻥ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﺃﺭﺿﺎﻩ ، ﻭﻳﺨﺘﻠﻖ ﺍﻟﺘﻬﻢ ﺿﺪﻩ ، ﻓﺎﻟﺘﻒ ﺣﻮﻟﻪ ﻣﻦ ﺍﻧﺨﺪﻉ ﺑﻪ ﻣﻦ ﻗﺎﺻﺮﻱ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻭﺿﻌﺎﻑ ﺍﻹ‌ﻳﻤﺎﻥ ﻭﻣﺤﺒﻲ ﺍﻟﻔﺘﻨﺔ ، ﻭﺍﻧﺘﻬﺖ ﺍﻟﻤﺆﺍﻣﺮﺓ ﺑﻘﺘﻞ ﺍﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﺍﻟﺮﺍﺷﺪ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻣﻈﻠﻮﻣﺎً ، ﻭﻋﻠﻰ ﺇﺛﺮ ﻣﻘﺘﻠﻪ ﺣﺼﻞ ﺍﻻ‌ﺧﺘﻼ‌ﻑ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻭﺷﺒﺖ ﺍﻟﻔﺘﻨﺔ ﺑﺘﺤﺮﻳﺾ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ الماكر ﻭﺃﺗﺒﺎﻋﻪ ﻭﺗﻔﺮﻗﺖ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﻭﻋﻈﻤﺖ ﺍﻟﻜﺮﻭﺏ ، ﻭﻇﻬﺮﺕ ﺍﻷ‌ﺷﺮﺍﺭ ﻭﺫﻟﺖ ﺍﻷ‌ﺧﻴﺎﺭ ، ﻭﺳﻌﻰ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺘﻨﺔ ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻋﺎﺟﺰﺍ ﻋﻨﻬﺎ ، ﻭﻋﺠﺰ ﻋﻦ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺼﻼ‌ﺡ ﻣﻦ ﻛﺎﻥ ﻳﺤﺐ ﺇﻗﺎﻣﺘﻬﻤﺎ.
ﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻈﺮﻭﻑ ﺗﺤﺮﻛﺖ ﺍﻟﺒﻘﻴﺔ ﺍﻟﺒﺎﻗﻴﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻭﺧﻴﺎﺭ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ ﻓﺒﺎﻳﻌﻮﺍ ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﻭﻫﻮ ﺃﺣﻖ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﺎﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﺣﻴﻨﺌﺬ ﻭﺃﻓﻀﻞ ﻣﻦ ﺑﻘﻲ ، ﻟﻜﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﻣﺘﻔﺮﻗﺔ ، ﻭﻧﺎﺭ ﺍﻟﻔﺘﻨﺔ ﻣﺘﻮﻗﺪﺓ ، ﻓﻠﻢ ﺗﺘﻔﻖ ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ، ﻭﻟﻢ ﺗﻨﺘﻈﻢ ﺍﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ، ﻭﻟﻢ ﻳﺘﻤﻜﻦ ﺍﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﻭﺧﻴﺎﺭ ﺍﻷ‌ﻣﺔ ﻣﻦ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻳﺮﻳﺪﻭﻧﻪ ﻣﻦ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺩﺧﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺮﻗﺔ ﻭﺍﻟﻔﺘﻨﺔ ﺃﻗﻮﺍﻡ ، ﻭﻛﺎﻥ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻤﺎ ﺃﻛﺜﺮﻩ ﻣﻜﺬﻭﺏ ﻭﺍﻟﺼﺤﻴﺢ ﺍﻟﻘﻠﻴﻞ ﺍﻟﻤﺮﻭﻱ ﻋﻨﻬﻢ ﺣﺼﻞ ﻣﻦ ﺍﺟﺘﻬﺎﺩ ﻣﻨﻬﻢ ﻓﻬﻢ ﻣﺄﺟﻮﺭﻭﻥ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻢ ﺟﻤﻴﻌﺎً.
فقد كان سبب الخلاف هو الاقتصاص من قتلة سيدنا عثمان:
فرأى سيدنا علي الملهم للصواب أن يؤخر الاقتصاص حتى ينتظم أمر اﻷمة ﻷن القلة كان لهم اشياع وقبائل. ورأى بعض الصحابة الاقتصاص منهم على الفور حتى ﻻ يتجرأ أحد على مقام الخلافة، منهم طلحة والزبير ومعاوية رضي الله عنهم.
ومنهم من اشتبه عليه اﻷمر فالتزم الاعتزال كسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وابن عمر وغيرهم.
وهكذا حصلت الحروب بسبب هؤلاء القتلة الغوغاء الذي اندس قسم كبير منهم في معسكر علي رضي الله عنه واندس قسم منهم في بقية المعسكرات فكان ما كان، نسأل الله حسن الختام. وقد أجمع أهل السنة على أن الحق كان مع علي وأنه مصيب وله أجران وأن من قاتله من الصحابة كان باغيا متأوﻻ فهو معذور لاجتهاده الذي أخطأ فيه. وكذا اﻷمر في حق من اعتزل.
فهذا ما عليه جمهور علماء أهل السنة والجماعة , من أشاعرة وماتريدية, وهو ما عليه علماء المذاهب الأربعة من حنفية ومالكية وشافعية وحنابلة وهو ما أجمع عليه كبار أهل الله كسيدي الباز عبدالقادر الجيلاني وسيدي أحمد الرفاعي الكبير رضي الله عنهما.
ولم يخالف في هذه المسألة إلا قلة قليلة فقالت بالتفسيق مخالفين ما عليه جمهور العلماء, وممن عرف بهذا القول في عصرنا واشتهر عنه الغمارية وقد غالى بعضهم حتى نسب الكفر لسيدي معاوية رضي الله عنه وهو المدعو أحمد الغماري وقد كفانا الله الحاجة للرد عليه لأن خذلانه في هذه المسألة ظاهر كظهور الشمس, يكفيه خذلانا أنه كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بايراده الحديث المكذوب مستشهدا به على مذهبه الفاسد: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه. فهذا الحديث المكذوب معروف لدى الكبير والصغير من طلبة العلم كذبه فكيف يخفى على من يزعم أنه من كبار المحدثين, وما هذا إلا خذلان من الله لمعاداته وافترائه على صهر الرسول صلى الله عليه وسلم وكاتب وحيه وتجرئه على مقام الصحبة, فوقع بما لا يقع به الطالب المبتدأ, نسأل الله التوفيق وحسن الختام.
إن مسألة الخوض فيما جرى بين الصحابة هي شديدة الخطورة بل يخشى على الخائض فيها من القطع والحرمان, فكم من متعصب غالى في تعظيم سيدنا علي رضي الله عنه فبلغ ما بلغه الرافضة من نسبة النفاق لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل والتصريح بتكفيرهم, وهو ما وقع به بعض الغمارية وطلابهم حيث انتقل من مذهب الحق إلى مذهب الرفض, وبالمقابل رأينا من تطرف في الجهة المقابلة فأساء لسيدنا علي بحجة الدفاع عن سيدنا معاوية رضي الله عنه
أما أهل السنة والجماعة فقد جمعوا بين تعظيم الصحابة ومحبة آل البيت رضوان الله عليهم جميعا, وأجمعوا على حسن الظن بالجميع ومنعوا عن الخوض فيما شجر بينهم وقالوا أن ذلك كان باجتهاد وأن الحق كان مع سيدنا علي وهو المصيب وله أجران وأن من خرج عليه أخطأ لكنه كان معذور لتأوله واجتهاده وله أجر على ذلك.
إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أمنة الأمة, هم تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمنزلة أبنائه, فلو سلمنا جدلا أن بعض الأبناء قد تعمد الخطأ في حق أحدهم وآذاه ايذاءا شديدا, ما الذي يسر الأب أكثر يوم القيامة أن يتخاصم أولاده أم أن يتسامحوا ويتواهبوا؟؟ فما هو الظن بسيدنا علي رضي الله أن يسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم ان يخاصمهم؟ فإن كانوا على تقدير المخالف سيتواهبون ويدخلون الجنة إكراما لحبيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما يخوض في قوم صاروا من أهل الجنة بينما هو لا يعرف عاقبته.
قال سيدي أحمد الرفاعي الكبير بعد ان بين فضل آل البيت وفضل الصحابة: “ولا يلحق العبد بنبيه صلى الله عليه وسلم إلا إذا جمع بين الأمرين لأن من أساء سر النبي صلى الله عليه وسلم وآذاه في أهله أو كذب أمره وآذاه بتقبيح أصحابه فهو من المبعودين, وإن أتى بواحد من الوصفين فلا طريق له على نبيه البتة”.