معركة صفين

مختصر عن صفين
ولا يختلف الحال في وقعة صفين كثيرا عما هو الحال الذي وصفناه في وقعة الجمل من حيث كثرة الروايات المكذوبة. وملخص ما جرى فيها أن سيدنا علي رضي الله عنه لما فرغ من الجمل توجه إلى الشام فخرج معاوية رضي الله عنه بعد أن استشار وجهاء أهل الشام لملاقاته. واجتمع الفريقان بصفين وكان ذلك في سنة سبع وثلاثين للهجرة. ولما عسكر الفريقان صارت مراسلات بين سيدنا علي ومعاوية رضي الله عنهما، وكان سيدنا علي رضي الله عنه يدعوه لبيعته لأن معاوية رضي الله عنه واهل الشام لم يقبلوا بمبايعته قبل أن يقتص من قتلة عثمان. وكان معاوية رضي الله عنه يجيب الرسل ومنهم أبو الدرداء وأبو أمامة رضي الله عنهما بأن يقتص علي رضي الله عنه من قتلة عثمان رضي الله عنه أو يمكنه منهم ويكون أول من يبايعه من الشام.
فكان رد سيدنا علي رضي الله عنه جازما يبايع أولا ثم ينظر في أمر القتلة. واستمر الأمر أشهرا من دون قتال وهم على هذا الحال حتى كان ما كان من القتال وقتل خلق كتير بعد أن طال أمد المعركة. وهنا أشار سيدنا عمرو بن العاص على سيدنا معاوية رضي الله عنهما بأن يرفع المصاحف ويطالب بأن يحكم كتاب الله بين الطرفين ويروى ان هناك من معسكر سيدنا علي رضي الله عنه من اشار عليه بالسعي لحقن الدماء فلما بلغه خبر رفع المصاحف سرّ ووافق على ذلك. وقد اختار سيدنا علي رضي الله عنه ابا موسى الأشعري رغم أنه كان ممن اعتزل الفتن, واختار سيدنا معاوية سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنهما واجتمع الحكمين وقد كثرت الروايات المكذوبة عما دار بينهما وقد بينت ذلك في الحديث على كذب واقعة التحكيم المشهورة. ثم توقف الأمر بعد خروج الخوارج على سيدنا علي رضي الله عنه وقتاله لهم.
كلام الامام مرتضى الزبيدي حول ما جرى بين الصحابة
قال الامام مرتضى الزبيدي (1) في كتابه اتحاف السادة المتقين الجزء الثاني صفحة 225-226: “(وﺍﻋﺘﻘﺎﺩ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺗﺰﻛﻴﺔ ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ) رضي الله عنهم وجوبا بإثبات العدالة لكل منهم والكف عن الطعن فيهم (ﻭﺍﻟﺜﻨﺎﺀ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻛﻤﺎ ﺃﺛﻨﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺳﺒﺤﺎﻧﻪ ﻭﺗﻌﺎﻟﻰ ﻭ) أثنى )ﺭﺳﻮﻟﻪ صلى الله عليه وسلم) بعمومهم وخصوصهم. ___________________________________________________
(1) ﻫﻮ الامام ﻣﺮﺗﻀﻰ ﺍﻟﺰﺑﻴﺪﻱ الحسيني ﻭﻫﻮ ﻋﻼ‌ﻣﺔ ﺑﺎﻟﺤﺪﻳﺚ ﻭﺍﻟﻠﻐﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻷ‌ﻧﺴﺎﺏ ﻭﻣﻦ ﻛﺒﺎﺭ ﺍﻟﻤﺼﻨﻔﻴﻦ ﻓﻲ ﻋﺼﺮﻩ، ﻭﻟﺪ ﻋﺎﻡ 1145 ﻫـ، ﻓﻲ ﺑﻠﺠﺮﺍﻡ ﻭﻫﻲ ﺑﻠﺪﺓ ﺑﺎﻟﻬﻨﺪ ﻭﻧﺸﺄ ﻓﻲ ﺯﺑﻴﺪ ﺑﺎﻟﻴﻤﻦ، ﻭﺭﺣﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﺠﺎﺯ، ﻭﺃﻗﺎﻡ ﺑﻤﺼﺮ. ﻭﺗﻮﻓﻲ ﺑﺎﻟﻄﺎﻋﻮﻥ ﻓﻲ ﻣﺼﺮ، ﻋﺎﻡ 1205 ﻫ. من أهم تصانيفه ﺷﺮﺣﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺎﻣﻮﺱ ﺍﻟﻤﺴﻤﻰ ﺑـ ﺗﺎﺝ ﺍﻟﻌﺮﻭﺱ، ﻭﻣﻨﻬﺎ ﺷﺮﺡ ﻛﺘﺎﺏ ﺇﺣﻴﺎﺀ ﻋﻠﻮﻡ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻟﻠﻐﺰﺍﻟﻲ ﺃﻣﻼ‌ﻩ ﻓﻲ (11) ﻋﺎﻣﺎً ﻭﻓﺮﻍ ﻣﻨﻪ ﺳﻨﺔ 1201ﻫـ
إن في كلام الامام المرتضى الزبيدي أمران مهمان اﻷول إثبات أن مطالبة معاوية رضي الله عنه بدم عثمان رضي الله عنه كان بناءا على طلب زوجة عثمان نائلة التي أتته بقميصه. الثاني أن المرتضى الزبيدي هو من أعلام اللغويين وهو شارح القاموس وهو أفهم باللغة العربية من المصنف وهو أعلم بمعنى كلمة البغي ومع ذلك حمل ما حصل على الاجتهاد.
وبعد أن ذكر الكثير من النصوص قال: ومناقب الصحابة كثيرة وحقيق على المتدين أن يستصحب لهم ما كانوا عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن نقلت هناة فليتدبر العاقل النقل وطريقه فإن ضعف رده وإن ظهر وكان آحادا لم يقدح فيما علم تواترا وشهدت به النصوص (و) من هذا (ﻣﺎ ﺟﺮﻯ( من الحروب والخلاف (ﺑﻴﻦ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ) بن أبي سفيان (ﻭﻋﻠﻲ) بن أبي طالب (ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬﻤا) في صفين لم يكن عن غرض نفساني وحظوظ شهوة بل (ﻛﺎﻥ ﻣﺒﻨﻴﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻻ‌ﺟﺘﻬﺎﺩ) الذي هو استفراغ الوسع لتحصيل ظن بحكم (ﻻ‌ ﻣﻨﺎﺯﻋﺔ ﻣﻦ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ) رضي الله عنه (ﻓﻲ) تحصيل )ﺍﻹ‌ﻣﺎﻣﺔ) كما ظن وهو وإن قاتله فإنه كان لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه (ﺇﺫ ﻇﻦ ﻋﻠﻲ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ ﺃﻥ ﺗﺴﻠﻴﻢ ﻗﺘﻠﺔ ﻋﺜﻤﺎﻥ) رضي الله عنه إلى معاوية حين قدمت نائلة زوج عثمان على معاوية بدمشق وهو بها أمير بقميص عثمان الذي قتل فيه مخلوطا بدمه فصعد به على المنبر وحرض قبائل العرب على التمكين من قتلته فجمع الجيوش وسار وطالب عليا إذ بلغه أن قتلته لاذت به وهم يصرخون بين يديه نحن قتلنا عثمان فرأى علي أن تسليمهم له )ﻣﻊ ﻛﺜﺮﺓ ﻋﺸﺎﺋﺮﻫﻢ) من مراد وكندة وغيرهما من لفائف العرب مع جمع من أهل مصر قيل إنهم ألف وقيل سبعمائة وقيل خمسمائة وجمع من الكوفة وجمع من البصرة قدموا كلهم المدينة وجرى منهم ما جرى وقد ورد أنهم هم وعشائرهم نحو من عشرة آلاف (ﻭﺍﺧﺘﻼ‌ﻃﻬﻢ ﺑﺎﻟﻌﺴﻜﺮ) وانتشارهم فيه (يؤﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺍﺿﻄﺮﺍﺏ ﺃﻣﺮ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻣﺔ) العظمى التي بها انتظام كلمة الاسلام خصوصا (ﻓﻲ ﺑﺪﺍﻳﺘﻬﺎ) قبل استحكام الأمر فيها (ﻓﺮﺃﻯ ﺍﻟﺘﺄﺧﻴﺮ ﺃﺻﻮﺏ) حتى يستقيم أمر الإمامة فقد ثبت أنه لما قتل عثمان هاجت الفتن بالمدينة وقصد القتلة الاستيلاء عليها والفتك بأهلها فأرادت الصحابة تسكين هذه الفتنة بتولية علي فامتنع وعرضت على غيره فامتنع أيضا اعظاما لمقتل عثمان، فلما مضت ثلاثة أيام من مقتل عثمان اجتمع المهاجرون والأنصار وناشدوا عليا الله في حفظ الاسلام وصيانة دار الهجرة فقبل بعد شدة وإنما أجابهم علي في توليته خشية من الامامة أن تهمل وهي من أمور الدين. ثم روى عن علي قوله: ثم ولوني ولولا الخشية على الدين ما أجبتهم (ﻭﻇﻦ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ) رضي الله عنه )ﺃﻥ ﺗﺄﺧﻴﺮ ﺃﻣﺮﻫﻢ) أي قتلة عثمان (ﻣﻊ ﻋﻈﻢ ﺟﻨﺎﻳﺘﻬﻢ) من هجومهم عليه داره وهتكهم ستر أهله ونسبوه إلى الجور والظلم مع تنصله من ذلك واعتذاره من كل ما أوردوه عليه ومن أعظم جنايتهم هتكهم ثلاثة حرم حرمة الدم والشهر والبلد (ﻳﻮﺟﺐ ﺍﻹ‌ﻏﺮﺍﺀ ﺑﺎﻷ‌ﺋﻤﺔ) بهتك حرمهم (ﻭﻳﻌﺮﺽ ﺍﻟﺪﻣﺎﺀ ﻟﻠﺴﻔﻚ) أي يتخذون ذلك ذريعة للفتك والهتك والسفك.
فمعاوية طلب قتلة عثمان من علي ظانا أنه مصيب وكان مخطئا (ﻭﻗﺪ ﻗﺎﻝ ﺃﻓﺎﺿﻞ ﺍﻟﻌﻠﻤﺎﺀ: ﻛﻞ ﻣﺠﺘﻬﺪ ﻣﺼﻴﺐ. ﻭﻗﺎﻝ ﻗﺎﺋﻠﻮﻥ) منهم (ﺍﻟﻤﺼﻴﺐ ﻭﺍﺣﺪ ﻭﻟﻢ ﻳﺬﻫﺐ ﺇﻟﻰ ﺗﺨﻄﺌﺔ ﻋﻠﻲ) رضي الله عنه ( ذﻭ ﺗﺤﺼﻴﻞ) ونظر في العلم (أصلا) بل كان رضي الله عنه مصيبا في اجتهاده متمسكا بالحق.
ثم ذكرا بحثا هاما عن الاجتهاد وقال في ختامه: فلذلك كان المخطئ معذورا فلمن أصاب أجران ولمن أخطأ أجر كما ورد في الحديث.

اترك تعليقاً

لن ينشر بريدك الإلكتروني.