خاتمة حول حديث ويح عمار رضي الله عنه

خاتمة حول حديث ويح عمار
لقد كان سبب خروج بعض الصحابة على سيدنا علي رضي الله عنه هو المطالبة بالاقتصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه وكانوا يرون عدم التأخير وهذه مسألة ظنية لأن الاصل أن القاتل يقتل ويمكن منه أولياء الدم، وهذا ما طالب به كل من طلحة والزبير ومعاوية رضي الله عنهم ولكن فاتهم صعوبة ذلك والفتنة التي ستحصل لو بادر سيدنا علي رضي الله عنه إلى ذلك، ولذلك أخطؤوا في خروجهم لكنهم معذورين لتأولهم واجتهادهم بل هم مأجورون. وقد قال ابن قدامة الحنبلي رحمه الله في المغني: “والبغاة إذا لم يكونوا من أهل البدع ليسوا بفاسقين وإنما هم مخطئون في تأويلهم، والإمام وأهل العدل مصيبون في قتالهم فهم جميعا كالمجتهدين من الفقهاء في الأحكام من شهد منهم قبلت شهادته إذا كان عدلا وهذا قول الشافعي ولا أعلم في قبول شهادتهم خلافا”. وقال سلطان العلماء العز بن عبدالسلام رحمه الله في كتاب القواعد الكبرى: “ولا يشترط في درء المفاسد أن يكون ملابسها أو المتسبب إليها عاصيا مثال قتال أهل البغي مع أنه لا إثم عليهم في بغيهم لتأولهم”.
فبعد هذا البيان من كلام الكبار الأعلام، حول معنى البغي والفئة الباغية، وبعد إجماع السادة الفقهاء من المذاهب الأربعة على اعتبار خروج الصحابة هو بتأول واجتهاد ممن له أن يجتهد وبالتالي لا يلزم من وصفهم بالبغي معصية ولا فسقا ولا كفرا، يتبين لنا أن من تمسك بحديث ويح عمار لينسب الصحابة إلى الفسق لفهمه الخاطئ لمعنى البغي مخالف لما عليه هؤلاء السادة الأعلام من أن البغي ليس بصفة ذم وانه ليس بفسق، وأن هذا القول لقيط لا يعرف لدى أحد من أهل السنة والجماعة، بل هو مخالف لإجماع من يعتد به، هذا ما عليه ساداتنا الصوفية كالجيلاني والرفاعي والنقشبندي وغيرهم وعلى ذلك إمامنا الأشعري وكل الأشاعرة والماتريدية وعليه أيضا ساداتنا الفقهاء من حنفية وشافعية ومالكية وحنابلة.
فالبغي هو الخروج على الامام بتأويل غير قطعي البطلان مع شوكة للخارجين وغير ذلك مما نص عليه الفقهاء، فبهذا يعلم أن وصف البغي أو الظلم (1) في هذا الموضع لا يلزم منه فسق ولا معصية بل هم مجتهدون متأولون المصيب منهم له أجران والمخطئ له أجر. ———————————————————————
(1) ﺍﻟﻈﻠﻢ: ﻭﺿﻊ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﻓﻲ ﻏﻴﺮ ﻣﻮﺿﻌﻪ. ﻭﺃﺻﻞ ﺍﻟﻈﻠﻢ ﺍﻟﺠﻮﺭ ﻭﻣﺠﺎﻭﺯﺓ ﺍﻟﺤﺪ، وهو بهذا المعنى مرادف للبغي. وقد استعمل بعض عبارة الباغية الظالمة وهما بنفس المعنى فلا يلزم من كلامهم نسبة المعصية، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التثليث في الوضوء: “ﻓﻤﻦ ﺯﺍﺩ ﺃﻭ ﻧﻘﺺ ﻓﻘﺪ ﺃﺳﺎﺀ ﻭﻇﻠﻢ” ﺃﻱ ﺃﺳﺎﺀ ﺍﻷ‌ﺩﺏ ﺑﺘﺮﻛﻪ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﻭﺍﻟﺘﺄﺩﺏ ﺑﺄﺩﺏ ﺍﻟﺸﺮﻉ، ﻭﻇﻠﻢ ﻧﻔﺴﻪ ﺑﻤﺎ ﻧﻘﺼﻬﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻮﺍﺏ ﺑﺘﺮﺩﺍﺩ ﺍﻟﻤﺮﺍﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺿﻮﺀ، وبالاجماع أن من اقتصر على المرة الواحدة لا معصية عليه. وقال الامام الفخرالرازي في قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى عليه السلام (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي): “والمراد أحد وجهين إما على سبيل الانقطاع والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه وإن لم يكن هناك ذنب قط أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب. فانظر كيف أن شيخ الاسلام الرازي لم يفسر الظلم بالمعصية بل بالتقصير أو بترك المندوب وهذا مشهور لدى العلماء, فاستعمال لفظ البغي والظلم فيما جرى بين الصحابة لا يحمل على المعصية لأنه كان باجتهاد، هذا ما عليه علماء أهل السنة والجماعة لم يشذ عنهم إلا بعض المتأخرين في أيامنا. ومن هذه الآية نفهم معنى ما روي عن بعض الصحابة أنه ندم لعدم مقاتلته مع علي رضي الله عنه، فهم وإن كانوا معذورون لاجتهادهم لكنهم كانوا يتحرون الكمال ويحزنون على ترك الأولى, فأحدهم يبكي على ضياع ساعة غفل فيها عن الله وعن أمور بالنسبة لغيرهم قد لا يرى بها بأس كترك الجماعة مثلا. فمن لم يفهم من ندم الأكابر إلا الندم من الذنب فهو لعدم معرفته بحقيقة حالهم.

1 comment

    • سيرين on 26 نوفمبر، 2018 at 4:14 ص
    • رد

    بارك الله فيكم يا أحرار أهل السنة و الجماعة

اترك تعليقاً

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

No announcement available or all announcement expired.