«

»

مايو 11

ضعف رواية إن بني أمية يقاتلونني

ضعف رواية إن بني أمية يقاتلونني
وفي الصفحة 222 من صريح البيان رد على الحبشي ما نصه:
وقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه المطالب العالية بزوائد الثمانيةما نصه: ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺳﻔﻴﺎﻥ ﺃﻥ ﻋﻠﻴًﺎ ﻗﺎﻝ: “ﺇﻥ ﺑﻨﻲ ﺃﻣﻴﺔ ﻳﻘﺎﺗﻠﻮﻧﻨﻲ, ﻳﺰﻋﻤﻮﻥ ﺃﻧﻲ ﻗﺘﻠﺖ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻭﻛﺬﺑﻮﺍ ﺇﻧﻤﺎ ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ ﺍﻟﻤُﻠْﻚ, ﻭﻟﻮ ﺃﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﻳﺬﻫﺐ ﻣﺎ ﻓﻲ ﻗﻠﻮﺑﻬﻢ ﺃﻧﻲ ﺃﺣﻠﻒ ﻟﻬﻢ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻤﻘﺎﻡ ﻭﺍﻟﻠﻪ ﻣﺎ ﻗﺘﻠﺖ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻭﻻ‌ ﺃﻣﺮﺕ ﺑﻘﺘﻠﻪ ﻟﻔﻌﻠﺖ, ﻭﻟﻜﻦ ﺇﻧﻤﺎ ﻳﺮﻳﺪﻭﻥ ﺍﻟﻤُﻠﻚ, ﻭﺇﻧﻲ ﻷ‌ﺭﺟﻮ ﺃﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﺃﻧﺎ ﻭﻋﺜﻤﺎﻥ ﻣﻤّﻦ ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺰّ ﻭﺟﻞّ: {ﻭَﻧَﺰَﻋﻨَﺎ ﻣَﺎ ﻓِﻰ ﺻُﺪُﻭﺭِﻫِﻢ ﻣِّﻦ ﻏِﻞٍّ } (ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﺤﺠﺮ) ﺍﻵ‌ﻳﺔ47 ا.ه.
فالرواية هي عن عبدالله بن أبي سفيان قال عنه الحافظ في تهذيب التهذيب:
” ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺳﻔﻴﺎﻥ ﻣﻮﻟﻰ ﺍﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺃﺣﻤﺪ ﺣﺠﺎﺯﻱ. ﺭﻭﻯ ﻋﻦ ﺃﺑﻴﻪ ﻭﻋﺪﻱ ﺑﻦ ﺯﻳﺪ ﺍﻟﺠﺬﺍﻣﻲ ﻭﻋﺪﻱ ﺑﻦ ﺟﺒﻴﺮﺓ ﺍﻻ‌ﺷﻬﻠﻲ ﻭﻳﺰﻳﺪ ﺑﻦ ﻃﻠﺤﺔ ﺍﺑﻦ ﻭﻛﺎﻧﺔ. ﻭﻋﻨﻪ ﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﺑﻦ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺣﺒﻴﺒﺔ ﻭﺳﻠﻴﻤﺎﻥ ﺑﻦ ﻛﻨﺎﻧﺔ ﻣﻮﻟﻰ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻭﻋﻴﺴﻰ ﺍﺑﻦ ﻛﻨﺎﻧﺔ ﻭﺍﺑﻦ ﺇﺳﺤﺎﻕ ﻭﺇﺑﺮﺍﻫﻴﻢ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺣﻴﻰ ﻭﻏﻴﺮﻫﻢ.ﺫﻛﺮﻩ ﺍﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ ﻓﻲ ﺍﻟﺜﻘﺎﺕ. ﺭﻭﻯ ﻟﻪ ﺃﺑﻮ ﺩﺍﻭﺩ ﺣﺪﻳﺜﺎ ﻭﺍﺣﺪﺍ ﻓﻲ ﺣﻤﻰ ﺍﻟﻤﺪﻳﻨﺔ. ﻗﻠﺖ: ﺯﻋﻢ ﺍﺑﻦ ﻋﺪﻱ ﺃﻧﻪ ﻳﺮﻭﻱ ﻋﻦ ﺟﻤﺎﻋﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﻭﺃﻧﻪ ﻣﺎﺕ ﺳﻨﺔ ﺗﺴﻊ ﻭﺛﻼ‌ﺛﻴﻦ ﻭﻣﺎﺋﺔ ﻭﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﻘﻄﺎﻥ لا ﻳﻌﺮﻑ ﺣﺎﻟﻪ.ا.ه.
وبهذا يعلم أن عبدالله ابن أبي سفيان مجهول الحال ولم يلقى الامام عليا حتى يروي عنه. وكذا بقية الرواة كعبدالله بن يحيى بن أبي كثير وربيح وابي موسى غير معروفين ولم أجد من وثقهم.
ملاحظة: إن قيل كيف يقال ذلك وقد وثقه ابن حبان فالجواب أن ابن حبان متساهل في التوثيق. ﻗﺎﻝ ﺍﻟﺤﺎﻓﻆ ﺍﺑﻦ ﺣﺠﺮ ﻓﻲ “ﻟﺴﺎﻥ ﺍﻟﻤﻴﺰﺍﻥ”:”ﻭﻫﺬﺍ ﺍﻟﺬﻱ ﺫﻫﺐ ﺇﻟﻴﻪ ﺍﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺇﺫﺍ ﺍﻧﺘﻔﺖ ﺟﻬﺎﻟﺔ ﻋﻴﻨﻪ ﻛﺎﻥ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻌﺪﺍﻟﺔ ﺣﺘﻰ ﻳﺘﺒﻴﻦ ﺟﺮﺣﻪ؛ ﻣﺬﻫﺐ ﻋﺠﻴﺐ ﻭﺍﻟﺠﻤﻬﻮﺭ ﻋﻠﻰ ﺧﻼ‌ﻓﻪ، ﻭﻫﺬﺍ ﻣﺴﻠﻚ ﺍﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ ﻓﻲ “ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﺜﻘﺎﺕ” ﺍﻟﺬﻱ ﺃﻟﻔﻪ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﺬﻛﺮ ﺧﻠﻘًﺎ ﻧﺺ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺃﺑﻮ ﺣﺎﺗﻢ ﻭﻏﻴﺮﻩ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻬﻢ ﻣﺠﻬﻮﻟﻮﻥ ﻭﻛﺎﻥ ﻋﻨﺪ ﺍﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ ﺃﻥ ﺟﻬﺎﻟﺔ ﺍﻟﻌﻴﻦ ﺗﺮﺗﻔﻊ ﺑﺮﻭﺍﻳﺔ ﻭﺍﺣﺪ ﻣﺸﻬﻮﺭ، ﻭﻫﻮ ﻣﺬﻫﺐ ﺷﻴﺨﻪ ﺍﺑﻦ ﺧﺰﻳﻤﺔ، ﻭﻟﻜﻦ ﺟﻬﺎﻟﺔ ﺣﺎﻟﻪ ﺑﺎﻗﻴﺔ ﻋﻨﺪ ﻏﻴﺮﻩ”
فبهذا يعلم أن توثيق ابن حبان له ﻻ يبنى عليه مع كلام ابن القطان وهو من هو في علم الجرح والتعديل وﻻسيما أن هناك علة أخرى وهي أنه لم يلتقى بالامام علي رضي الله عنه. فقد توفي بعد وفاة علي بمائة عام ولم يخرج له أحد من أصحاب السنن إلا أبو داود حديثا واحدا. وبهذا يعلم ضعف هذه الرواية، لكونها منقطعة مع جهالة حال أغلب رواتها كما سبق وبينت.
ثم إن من اﻷمور المستغربة تمسك الحبشي بهذه الرواية الضعيفة المردودة لمخالفتها صريح القرآن وإجماع العلماء الذين يعتد بإجماعهم في إثبات عدالة الصحابة رضي الله عنهم، وإصراره على اﻷخذ بها لذم صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركه غيرها من الروايات التي تثبت العكس وأن سبب القتال هو المطالبة بالاقتصاص من قتلة سيدنا عثمان رضي الله عنه كالرواية التي أوردها ﺍﻟﺬﻫﺒﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻴﺮ ﻋﻦ ﻳﻌﻠﻰ ﺑﻦ ﻋﺒﻴﺪ ﻋﻦ ﺃﺑﻴﻪ ﻗﺎﻝ: ﺟﺎﺀ ﺑﻮ ﻣﺴﻠﻢ ﺍﻟﺨﻮﻻ‌ﻧﻲ ﻭﻧﺎﺱ ﻣﻌﻪ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﻓﻘﺎﻟﻮﺍ ﻟﻪ: ﺃﻧﺖ ﺗﻨﺎﺯﻉ ﻋﻠﻴﺎً ﺃﻡ ﺃﻧﺖ ﻣﺜﻠﻪ؟ ﻓﻘﺎﻝ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ: ﻻ‌ ﻭﺍﻟﻠـﻪ ﺇﻧﻲ ﻷ‌ﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﻋﻠﻴﺎً ﺃﻓﻀﻞ ﻣﻨﻲ، ﻭﺇﻧﻪ ﻷ‌ﺣﻖ ﺑﺎﻷ‌ﻣﺮ ﻣﻨﻲ، ﻭﻟﻜﻦ ﺃﻟﺴﺘﻢ ﺗﻌﻠﻤﻮﻥ ﺃﻥّ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻗﺘﻞ ﻣﻈﻠﻮﻣـﺎ، ﻭﺃﻧﺎ ﺍﺑﻦ ﻋﻤﻪ، ﻭﺇﻧﻤـﺎ ﺃﻃﻠﺐ ﺑﺪﻡ ﻋﺜﻤﺎﻥ، ﻓﺄﺗﻮﻩ ﻓﻘﻮﻟﻮﺍ ﻟﻪ ﻓﻠﻴﺪﻓـﻊ ﺇﻟﻲّ ﻗﺘﻠﺔ ﻋﺜﻤـﺎﻥ ﻭﺃﺳﻠّﻢ ﻟـﻪُ ﻓﺄﺗﻮْﺍ ﻋﻠﻴﺎً ﻓﻜﻠّﻤﻮﻩ ﺑﺬﻟﻚ ﻓﻠﻢ ﻳﺪﻓﻌﻬﻢ ﺇﻟﻴﻪ، ولطالما ﺃﻛّﺪ ﻣﻌـﺎﻭﻳﺔ رضي الله عنه ﺫﻟﻚ ﺑﻘﻮﻟـﻪ: “ﻣﺎ ﻗﺎﺗﻠﺖ ﻋﻠﻴﺎً ﺇﻻ‌ ﻓﻲ ﺃﻣﺮ ﻋﺜﻤﺎﻥ”، ﻭحتى ﺍﻟﺸﺮﻳﻒ ﺍﻟﺮضى قد أكد ذلك ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﻧﻬﺞ ﺍﻟﺒﻼ‌ﻏﺔ الجزء 3 الصفحة 648 حيث ذكر ﻓﻲ ﺧﻄﺒﺔ ﻟﻌﻠﻲّ رضي الله عنه ﻗﻮﻟﻪ: “ﻭﺑﺪﺀ ﺃﻣﺮﻧﺎ ﺃﻧﺎ ﺍﻟﺘﻘﻴﻨﺎ ﻭﺍﻟﻘﻮﻡ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺸﺎﻡ، ﻭﺍﻟﻈﺎﻫﺮ ﺃﻥ ﺭﺑﻨﺎ ﻭﺍﺣﺪ ﻭﻧﺒﻴﻨﺎ ﻭﺍﺣﺪ، ﻭﺩﻋﻮﺗﻨﺎ ﻓﻲ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻡ ﻭﺍﺣﺪﺓ، ﻭﻻ‌ ﻧﺴﺘﺰﻳﺪﻫﻢ ﻓﻲ ﺍﻹ‌ﻳﻤﺎﻥ ﺑﺎﻟﻠﻪ ﻭﺍﻟﺘﺼﺪﻳﻖ ﺑﺮﺳﻮﻟﻪ ﻭﻻ‌ ﻳﺴﺘﺰﻳﺪﻭﻧﻨﺎ، ﺍﻷ‌ﻣﺮ ﻭﺍﺣﺪ ﺇﻻ‌ ﻣﺎ ﺍﺧﺘﻠﻔﻨﺎ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﺩﻡ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻭﻧﺤﻦ ﻣﻨﻪ ﺑﺮﺍﺀ”، ﻓﻬﺬﺍ الكلام من سيدنا ﻋﻠﻲّ رضي الله عنه يبين ﺃﻥ ﺍﻟﺨﻼ‌ﻑ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ رضي الله عنه ﻫﻮ ﻣﻘﺘﻞ سيدنا ﻋﺜﻤﺎﻥ رضي الله عنه ﻭﻟﻴﺲ ﻣﻦ ﺃﺟﻞ ﺍﻟﺨﻼ‌ﻓﺔ ﺃﻭ ﺍﻟﺘﺤﻜﻢ ﻓﻲ ﺭﻗﺎﺏ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻛﻤﺎ ﻳﺪﻋﻲ المصنف وغلاة الرافضة. فإن كان يريد اﻷخذ بالروايات الضعيفة لما لا يعتمد الروايات الموافقة للأدلة القطعية وخاصة أنها واردة في أحد أهم الكتب لمن يعادون سيدنا معاوية رضي الله عنه. ثم إن الادعاء بأن سيدنا معاوية رضي الله عنه كان فاسقا وطالبا للدنيا والامارة يلزم منه ذم سيدنا الحسن رضي الله عنه في تنازله عن الخلافة وتسليمه أمر المسلمين لرجل فاسق همه الدنيا بدلا من أن يكون على رأسها رجل مشهود له بالصلاح، فهل لحقن الدم فقط تسلم الأمة لفاسق طالب للدنيا والرئاسة مفسد لها ومع ذلك يمدحه سيد الخلق بقوله إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. حاشا سيدنا الحسن رضي الله عنه أن يسلم أمر الأمة إلا لمن علم من حاله الصلاح والقدرة على القيام بأعباء الأمة ومصالحها فاستحق مدح جده صلوات ربي وسلامه عليه. هذا هو اللائق بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أراد الطعن بواحد منهم مع ورود النصوص القطعية فعليه بأن يأتي برواية قطعية ولن يجد لا برواية ضعيفة بل مردودة، بل امر القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب فكيف يحكم عليها بوهم مخالف لإجماع الأمة. ثم إنه قد ثبت عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه كان في صفين يستغفر لأهل الشام ولما سئل عن القتلى قال رضي الله عنه: “قتلاي وقتلى معاوية في الجنة” كما روى ذلك الطبراني وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف. قال الحافظ ابن حجر الهيتمي في التطهير: “فهذا من علي رضي الله عنه صريح لا يقبل تأويلا بأن معاوية مجتهد توفرت فيه شروط الاجتهاد الموجبة لتحريم تقليد الغير، وهو تصريح لا يقبل التأويل بأن معاوية وأتباعه مثابون غير مأثومين بما فعلوه من قتال علي، وإنما قاتلهم مع ذلك لأن البغاة يجب على الإمام قتالعم، وهؤلاء بغاة إذ ليس من شرط البغي الإثم، بل من شرطه التأويل الغير قطعي البطلان، ومن ثم قال أئمتنا: ليس البغي اسم ذم، وقال الشافعي رضي الله عنه أخذت أحكام قتال البغاة مما فعله علي لما قاتل معاوية”. قلت: ولو كان سيدنا علي رضي الله عنه يرى معاوية ومن قتل معه فساقا لقال قتلاي في الجنة وقتلى معاوية تحت مشيئة الله، فلما جزم لهم بالجنة كان ذلك دليلا على أنه كان يراهم معذورين لاجتهادهم، والله أعلم.
ومما يدل على أن سيدنا علي رضي الله عنه كان يرى الأمر اجتهادا ما رواه ابن عساكر وابن النديم بسند صحيح عن أبي زرعة الدمشقي محدث الشام عن أبي نعيم الفضيل بن دكين الحافظ الكبير عن سفيان إمام الحفاظ ﻋﻦ
ﺟﻌﻔﺮ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺍﻟﺤﺴﻴﻦ الصادق ﻋﻦ ﺃﺑﻴﻪ محمد الباقر ﻗﺎﻝ: ﺫُﻛﺮ ﻋﻨﺪ ﻋﻠﻲ ﻳﻮﻡ ﺻﻔﻴﻦ -ﺃﻭ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺠﻤﻞ- ﻓﺬﻛﺮﻧﺎ ﺍﻟﻜﻔﺮ، ﻗﺎﻝ: ﻻ‌ ﺗﻘﻮﻟﻮﺍ ﺫﻟﻚ فإنهم ﺯﻋﻤﻮﺍ ﺃﻧﺎ ﺑﻐﻴﻨﺎ ﻋﻠﻴﻬﻢ، ﻭﺯﻋﻤﻨﺎ ﺃﻧﻬﻢ ﺑﻐﻮﺍ ﻋﻠﻴﻨﺎ، ﻓﻘﺎﺗﻠﻨﺎﻫﻢ ﻋﻠﻰ ﺫﻟﻚ. فهل هناك أصرح من ذلك في كون سيدنا علي رضي الله عنه كان يعتبر ذلك اجتهاداً. بل يستفاد من هذه الرواية أمرا هاما وهو أن أئمة أهل البيت رضوان الله عليهم كمحمد الباقر وابنه جعفر الصادق كانا يعتبران ذلك اجتهادا وأن هذا هو معتقد سادة آل البيتز
قلت: ولا يضر هذه الرواية الإرسال لأن الإرسال فيها هو من آل البيت عن جدهم ولولا ثبوتها لديهم لما نقلوها ورووها بل لسارعوا إلى إنكارها، فيكفينا أن يكون معتقدنا موافق لمعتقد هؤلاء السادة الأقطاب المشهود لهم بالغوثية، والله أعلم.
ﻭقد روى الطبري في تاريخه أنه ﻗﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ ﺃﻗﻮﺍﻡ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﻮﻓﺔ ﻳﺴﺄﻟﻮﻧﻪ ﻋﻦ ﺇﻗﺪﺍﻣﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻮﻡ، ﻓﻘﺎﻡ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻴﻤﻦ ﻗﺎﻡ ﺍﻷ‌ﻋﻮﺭ ﺑﻦ ﺑﻨﺎﻥ ﺍﻟﻤﻨﻘﺮﻱ؛ ﻓﻘﺎﻝ ﻟﻪ ﻋﻠﻲ: ﻋﻠﻰ ﺍﻹ‌ﺻﻼ‌ﺡ ﻭﺇﻃﻔﺎﺀ ﺍﻟﻨﺎﺋﺮﺓ ﻟﻌﻞّ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺠﻤﻊ ﺷﻤﻞ ﻫﺬﻩ ﺍﻷ‌ﻣﺔ ﺑﻨﺎ ﻭﻳﻀﻊ ﺣﺮﺑﻬﻢ؛ ﻭﻗﺪ ﺃﺟﺎﺑﻮﻧﻲ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺈﻥ ﻟﻢ ﻳﺠﻴﺒﻮﻧﺎ؟ ﻗﺎﻝ: ﺗﺮﻛﻨﺎﻫﻢ ﻣﺎ ﺗﺮﻛﻮﻧﺎ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺈﻥ ﻟﻢ ﻳﺘﺮﻛﻮﻧﺎ؟ ﻗﺎﻝ: ﺩﻓﻌﻨﺎﻫﻢ ﻋﻦ ﺃﻧﻔﺴﻨﺎ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻬﻞ ﻟﻬﻢ ﻣﺜﻞ ﻣﺎ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ؟ ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ.
ﻭﻗﺎﻡ ﺇﻟﻴﻪ ﺃﺑﻮ ﺳﻼ‌ﻣﺔ ﺍﻟﺪﺃﻻ‌ﻧﻲ ﻓﻘﺎﻝ: ﺃﺗﺮﻯ ﻟﻬﺆﻻ‌ﺀ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﺣﺠّﺔ ﻓﻴﻤﺎ ﻃﻠﺒﻮﺍ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺪﻡ، ﺇﻥ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺃﺭﺍﺩﻭﺍ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺰّ ﻭﺟﻞ ﺑﺬﻟﻚ؟ ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ، ﻗﺎﻝ: ﻓﺘﺮﻯ ﻟﻚ ﺣﺠّﺔ ﺑﺘﺄﺧﻴﺮﻙ ﺫﻟﻚ؟ ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ، ﺇﻥّ ﺍﻟﺸﻲﺀ ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻻ‌ ﻳﺪﺭﻙ ﻓﺎﻟﺤﻜﻢ ﻓﻴﻪ ﺃﺣﻮﻃﻪ ﻭﺃﻋﻤّﻪ ﻧﻔﻌًﺎ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻤﺎ ﺣﺎﻟﻨﺎ ﻭﺣﺎﻟﻜﻢ ﺇﻥ ﺍﺑﺘﻠﻴﻨﺎ ﻏﺪًﺍ؟ ﻗﺎﻝ: ﺇﻧّﻲ ﻷ‌ﺭﺟﻮ ﺃﻟّﺎ ﻳﻘﺘﻞ ﺃﺣﺪ ﻧﻘّﻰ ﻗﻠﺒﻪ ﻟﻠﻪ ﻣﻨّﺎ ﻭﻣﻨﻬﻢ ﺇﻻ‌ ﺃﺩﺧﻠﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺠﻨّﺔ، وقد ذكر قصة أبي سلامة الإمام أحمد بن زيني دحلان واستشهد بها على أن ما جرى كان باجتهاد وهو دليل صريح.
ومما يشهد على أن ما حصل بين الصحابة رضي الله عنهم كان باجتهاد ما ثبت من روايات عن كبار الصحابة الذين قاتلوا مع علي رضي الله عنه
فقد روى البخاري في صحيحه: ﺣﺪﺛﻨﺎ ﻋﺒﺪﺍﻥ ﺃﺧﺒﺮﻧﺎ ﺃﺑﻮ ﺣﻤﺰﺓ ﺳﻤﻌﺖ ﺍﻷ‌ﻋﻤﺶ ﻗﺎﻝ ﺳﺄﻟﺖ ﺃﺑﺎ ﻭﺍﺋﻞ ﻫﻞ ﺷﻬﺪﺕ ﺻﻔﻴﻦ ﻗﺎﻝ ﻧﻌﻢ ﻓﺴﻤﻌﺖ ﺳﻬﻞ ﺑﻦ ﺣﻨﻴﻒ ﻳﻘﻮﻝ ﺡ ﻭﺣﺪﺛﻨﺎ ﻣﻮﺳﻰ ﺑﻦ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﺣﺪﺛﻨﺎ ﺃﺑﻮ ﻋﻮﺍﻧﺔ ﻋﻦ ﺍﻷ‌ﻋﻤﺶ ﻋﻦ ﺃﺑﻲ ﻭﺍﺋﻞ ﻗﺎﻝ ﻗﺎﻝ ﺳﻬﻞ ﺑﻦ ﺣﻨﻴﻒ ﻳﺎ ﺃﻳﻬﺎ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﺗﻬﻤﻮﺍ ﺭﺃﻳﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﺩﻳﻨﻜﻢ ﻟﻘﺪ ﺭﺃﻳﺘﻨﻲ ﻳﻮﻡ ﺃﺑﻲ ﺟﻨﺪﻝ ﻭﻟﻮ ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﺃﻥ ﺃﺭﺩ ﺃﻣﺮ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻋﻠﻴﻪ ﻟﺮﺩﺩﺗﻪ ﻭﻣﺎ ﻭﺿﻌﻨﺎ ﺳﻴﻮﻓﻨﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﻮﺍﺗﻘﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﻣﺮ ﻳﻔﻈﻌﻨﺎ ﺇﻻ‌ ﺃﺳﻬﻠﻦ ﺑﻨﺎ ﺇﻟﻰ ﺃﻣﺮ ﻧﻌﺮﻓﻪ ﻏﻴﺮ ﻫﺬﺍ ﺍﻷ‌ﻣﺮ ﻗﺎﻝ ﻭﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻭﺍﺋﻞ ﺷﻬﺪﺕ ﺻﻔﻴﻦ ﻭﺑﺌﺴﺖ ﺻﻔﻮﻥ
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: “ﻭﻣﺮﺍﺩ ﺳﻬﻞ ﺃﻧﻬﻢ ﻛﺎﻧﻮﺍ ﺇﺫﺍ ﻭﻗﻌﻮﺍ ﻓﻲ ﺷﺪﺓ ﻳﺤﺘﺎﺟﻮﻥ ﻓﻴﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻐﺎﺯﻱ ﻭﺍﻟﺜﺒﻮﺕ ﻭﺍﻟﻔﺘﻮﺡ ﺍﻟﻌﻤﺮﻳﺔ، ﻋﻤﺪﻭﺍ ﺇﻟﻰ سيوفهم ﻓﻮﺿﻌﻮﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﻋﻮﺍﺗﻘﻬﻢ ، ﻭﻫﻮ ﻛﻨﺎﻳﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﺠﺪ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﺏ ، ﻓﺈﺫﺍ ﻓﻌﻠﻮﺍ ﺫﻟﻚ ﺍﻧﺘﺼﺮﻭﺍ، ﻭﻫﻮ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺑﺎﻟﻨﺰﻭﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻬﻞ، ﺛﻢ ﺍﺳﺘﺜﻨﻰ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﺘﻲ ﻭﻗﻌﺖ ﺑﺼﻔﻴﻦ ﻟﻤﺎ ﻭﻗﻊ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﻦ ﺇﺑﻄﺎﺀ ﺍﻟﻨﺼﺮ ﻭﺷﺪﺓ ﺍﻟﻤﻌﺎﺭﺿﺔ ﻣﻦ ﺣﺠﺞ ﺍﻟﻔﺮﻳﻘﻴﻦ، ﺇﺫ ﺣﺠﺔ ﻋﻠﻲ ﻭﻣﻦ ﻣﻌﻪ ﻣﺎ ﺷﺮﻉ ﻟﻬﻢ ﻣﻦ ﻗﺘﺎﻝ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺒﻐﻲ ﺣﺘﻰ ﻳﺮﺟﻌﻮﺍ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺤﻖ، ﻭﺣﺠﺔ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﻭﻣﻦ ﻣﻌﻪ ﻣﺎ ﻭﻗﻊ ﻣﻦ ﻗﺘﻞ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻣﻈﻠﻮﻣﺎ، ﻭﻭﺟﻮﺩ ﻗﺘﻠﺘﻪ ﺑﺄﻋﻴﺎﻧﻬﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮ ﺍﻟﻌﺮﺍﻗﻲ ﻓﻌﻈﻤﺖ ﺍﻟﺸﺒﻬﺔ ﺣﺘﻰ ﺍشتد ﺍﻟﻘﺘﺎﻝ ﻭﻛﺜﺮ ﺍﻟﻘﺘﻞ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻧﺒﻴﻦ، ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻭﻗﻊ ﺍﻟﺘﺤﻜﻴﻢ ﻓﻜﺎﻥ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ”. قلت: فإن كان سهل بن حنيف الذي كان في صف علي رضي الله عنهما اشتبه الأمر عليه إلى هذا الحد، فكيف لعامي أو حتى لمن هو أعلى منه في أيامنا أن يقدم رأيه على كلام الصحابة وكبار الأمة!! فليتهم التزموا بكلام هؤلاء السادة واتهموا رأيهم وتواضعوا قليلا أمام هؤلاء الأكابرلارتاحوا وأراحوا، والله أعلم.
أما الصحابي الجليل ذو الشهادتين رضي الله عنه الذي استشهد في صفين، فلو كان الأمر بهذا الوضوح الذي يدعيه البعض ولم يكن أمرا اجتهاديا فليفسر لنا تخلفه عن القتال مع علي رضي الله عنه حتى قتل عمار بن ياسر رضي الله عنه؟؟؟ فقد روى الحاكم في المستدرك ﻋﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻋﻤﺎﺭﺓ ﺑﻦ ﺧﺰﻳﻤﺔ ﺑﻦ ﺛﺎﺑﺖ ﻗﺎﻝ: ﻛﺎﻥ ﺟﺪﻱ ﻛﺎﻓﺎ ﺑﺴﻼ‌ﺣﻪ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺠﻤﻞ ﻭﻳﻮﻡ ﺻﻔﻴﻦ ﺣﺘﻰ ﻗﺘﻞ ﻋﻤﺎﺭ ﺑﻦ ﻳﺎﺳﺮ، ﻓﻠﻤﺎ ﻗﺘﻞ ﻋﻤﺎﺭ ﻗﺎﻝ: ﺳﻤﻌﺖ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺁﻟﻪ ﻭﺳﻠﻢ ﻳﻘﻮﻝ: ” ﺗﻘﺘﻞ ﻋﻤﺎﺭﺍ ﺍﻟﻔﺌﺔ ﺍﻟﺒﺎﻏﻴﺔ “، ﻗﺎﻝ : ﻓﺴﻞ ﺳﻴﻔﻪ ﻓﻘﺎﺗﻞ ﺣﺘﻰ ﻗﺘﻞ. فلما رضي على حسب ما يقوله صاحب التعليق بالمعصية يوم الجمل ويوم صفين وانتظر مقتل عمار؟؟
بل الحق أن هذا الصحابي الجليل اشتبه الأمر عليه ولم يتيقن أي الفرقتين هي الباغية حتى قتل سيدنا عمار رضي الله عنه.
أما ما يروى عن سيدنا عمار من قوله فسق أهل الشام فليس فيه حجة للخصم لأن هذا الكلام هو بحسب اجتهاده، واجتهاد المجتهد ليس بحجة على مجتهد آخر. ومن لديه أدنى إلمام بالفقه يعرف أن السادة الشافعية مثلا قد يحكمون على فعل بالفسق ويعتبرونه موجبا للحد مع أنه قد يكون جائزا عند غيرهم. هذا إن كانت رواية فسقوا هي الثابتة يقينا عن عمار وإلا فقد ورد عنه أنه قال: لا تسبوا أهل الشام بل هم إخواننا بغوالا علينا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام هذه HTML الدلالات والميزات: