قـصة بـيـعـة الـرضـوان ـ الشيخ سعيد الكملي

قال عبد الله بن مسعود: من كان مستنًّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد

قال عبد الله بن مسعود: «من كان مستنًّا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد ، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم».

شرح السنة للبغوي (1/214، 215)

قال أبو محمد بن حزم: “الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا

قال أبو محمد بن حزم: “الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا

الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة

الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة

ابن حجر الهيتمي

الخاتمة في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة في الصحابة رضوان الله عليهم

وفي قتال معاوية وعلي وفي حقية خلافة معاوية بعد نزول الحسن له عن الخلافة

وإنما افتحت هذا الكتاب بالصحابة وختمته بهم إشارة إلى أن المقصود بالذات من تأليفه تبرئتهم عن جميع ما افتراه عليهم أو على بعضهم من غلبت عليهم الشقاوة وتردوا بأردية الحماقة والغباوة ومرقوا من الدين واتبعوا سبيل الملحدين وركبوا متن عمياء وخبطوا خبط عشواء فباؤا من الله بعظيم النكال ووقعوا في أهوية الوبال والضلال ما لم يدراكهم الله بالتوبة والرحمة فيعظموا خير الأمم وهذه الأمة أماتنا الله على محبتهم وحشرنا في زمرتهم آمين

اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عيلهم فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في آيات من كتابه. منها قوله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) آل عمران ١١٠ فأثبت الله لهم الخيرية على سائر الأمم ولا شيء يعادل شهادة الله لهم بذلك لأنه تعالى أعلم بعباده وما انطووا عليه من الخيرات وغيرها بل لا يعلم ذلك غيره تعالى فإذا شهد تعالى فيهم بأنهم خير الأمم وجب على كل أحد اعتقاد ذلك والإيمان به وإلا كان مكذبا لله في إخباره ولا شك أن من ارتاب في حقية شيء مما أخبر الله أو رسوله به كان كافرا بإجماع المسلمين. ومنها قوله تعالى ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) البقرة ١٤٣ والصحابة في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله حقيقة فانظر إلى كونه تعالى خلقهم عدولا وخيارا ليكونوا شهداء على بقية الأمم يوم القيامة وحينئذ فكيف يستشهد الله تعالى بغير عدول أو بمن ارتدوا بعد وفاة نبيهم إلا نحو ستة أنفس منهم كما زعمته الرافضة قبحهم الله ولعنهم وخذلهم ما أحمقهم وأجهلهم وأشهدهم بالزور والافتراء والبهتان. ومنها قوله تعالى ( يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى يبن أيديهم وبأيمانهم ) التحريم ٨ فآمنهم الله من خزيه ولا يأمن من خزيه في ذلك اليوم إلا الذين ماتوا والله سبحانه عنهم راض فأمنهم من الخزي صريح في موتهم على كمال الإيمان وحقائق الإحسان وفي أن الله لم يزل راضيا عنهم وكذلك رسول الله. ومنها قوله تعالى ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) الفتح ١٨ فصرح تعالى برضاه عن أولئك وهم ألف ونحو أربعمائة ومن رضي الله عنه تعالى لا يمكن موته على الكفر لأن العبرة بالوفاة على الإسلام فلا يقع الرضا منه تعالى إلا على من علم موته على الإسلام وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه رضي عنه فعلم أن كلا من هذه الآياة وما قبلها صريح في رد ما زعمه وافتراه أولئك الملحدون الجاحدون حتى للقرآن العزيز إذ يلزم من الإيمان به الإيمان بما فيه وقد علمت أن الذي فيه أنهم خير الأمم وأنهم عدول أخيار وأن الله لا يخزيهم وأنه راض عنهم فمن لم يصدق بذلك فيهم فهو مكذب لما في القرآن ومن كذب بما فيه مما لا يحتمل التأويل كان كا فرا جاحدا ملحدا مارقا. ومنها قوله تعالى ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ) التوبة ١٠٠ وقوله تعالى ( يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) الأنفال ٦٤ وقوله تعالى ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ( والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) ( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ١٠ الحشر. فتأمل ما وصفهم الله به من هذه الآية تعلم به ضلال من طعن فيهم من شذوذ – آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) ٨ المبتدعة ورماهم بما هم بريئون منه. ومنها قوله تعالى ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) الفتح ٢٩ فانظر إلى عظيم ما اشتملت عليه هذه الآية فإن قوله تعالى ( محمد رسول الله ) جملة مبينة للمشهود به في قوله ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ) إلى قوله ( شهيدا ) الفتح ٢٨ ففيها ثناء عظيم على رسوله ثم ثنى بالثناء على أصحابه بقوله ( والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) كما قال تعالى ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) المائدة ٥٤ فوصفهم الله تعالى بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين والذلة والخضوع لهم ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص التام وسعة الرجاء في فضل الله ورحمته بابتغائهم فضله ورضوانه وبأن آثار ذلك الإخلاص وغيره من أعمالهم الصالحة ظهرت على وجوههم حتى إن من نظر إليهم بهره حسن سمتهم وهديهم ومن ثم قال مالك رضي الله تعالى عنه بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام قالوا والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا. وقد صدقوا في ذلك فإن هذه الأمة المحمدية خصوصا الصحابة لم يزل ذكرهم معظما في الكتب كما قال الله تعالى في هذه الآية ( ذلك مثلهم ) أي وصفهم في التوراة ومثلهم أي وصفهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه أي فراخه فآزره أي شده وقواه فاستغلظ أي شب فطال فكذلك أصحاب محمد آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الز رع ليغيظ بهم الكفار. ومن هذه الآية أخذ الإمام مالك في رواية عنه بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة قال لأن الصحابة يغيظونهم ومن غاظه الصحابة فهو كافر. وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الآية ومن ثم وافقه الشافعي رضي الله تعالى عنهما في قوله بكفرهم ووافقه أيضا جماعة من الأئمة. والأحاديث في فضل الصحابة كثيرة وقد قدمنا معظمها في أول هذا الكتاب ويكفيهم شرفا أي شرف ثناء الله عليهم في تلك الآيات كما ذكرناه وفي غيرها ورضاه عنهم وأنه تعالى وعدهم جميعهم لا بعضهم إذ من في منهم لبيان الجنس لا للتبعيض مغفرة وأجرا عظيما ووعد الله صدق وحق لا يتخلف ولا يخلف لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم. فعلم أن جميع ما قدمناه من الآيات هنا ومن الأحاديث الكثيرة الشهيرة في المقدمة يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام ببذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم والاعتقاد بنزاهتهم هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله ولم يخالف فيه إلا شذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا فلا يلتفت إليهم ولا يعول عليهم وقد قال إمام عصره أبو زرعة الرازي من أجل شيوخ مسلم إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة فمن جر حهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح به ألصق والحكم عليه بالزندقة والضلالة والكذب والفساد هو الأقوم الأحق. وقال ابن حزم الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعا قال تعالى ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ) الحديد ١٠. وقال تعالى ( إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ) الأنبياء ١٠١ فثبت أن جميعهم من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون بالآية الأولى التي أثبت لكل منهم الحسنى وهي الجنة ولا يتوهم أن التقييد بالإنفاق أو القتال فيها وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتصف بذلك منهم لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها على أن المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة أو العزم وزعم الماوردي اختصاص الحكم بالعدالة بمن لازمه ونصره دون من اجتمع به يوما أو لغرض غير موافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء قال شيخ الإسلام العلائي هو قول غريب يخرج كثيرا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص وغيرهم ممن وفد عليه ولم يقم عنده إلا قليلا وانصرف والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر. انتهى. ومما رد به عليه أن تعظيم الصحابة وإن قل اجتماعهم به كان مقررا عند الخلفاء الراشدين وغيرهم وقد صح عن أبي سعيد الخدري أن رجلا من أهل البادية تناول معاوية في حضرته وكان متكئا فجلس ثم ذكر أنه وأبا بكر ورجلا من أهل البادية نزلوا على أبيات فيهم امرأة حامل فقال البدوي لها أبشرك أن تلدي غلاما. قالت نعم. قال إن أعطيتني شاة ولدت غلاما فأعطته فسمع لها اسجاعا ثم عمد إلى الشاة فذبحها وطبخها وجلسنا نأكل منها ومعنا أبو بكر فلما علم القصة قام فتقيأ كل شيء أكل قال ثم رأيت ذلك البدوي قد أتي به عمر وقد هجا الأنصار فقال لهم عمر لولا أن له صحبة من رسول الله ما أدري ما قال فيها لكفيتكموه. انتهى. فانظر توقف عمر عن معاتبته فضلا عن معاقبته لكونه علم أنه لقي النبي تعلم أن فيه أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء كما ثبت في الصحيحين من قوله ( والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه ). وتواتر عنه قوله ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ). وصح أنه قال ( إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين ) وفي رواية ( أنتم موفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل ). واعلم أنه وقع خلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه يوجد فيمن يأتي بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة واحتج على ذلك بخبر ( طوبى لمن رآني وآمن بي مرة وطوبى لمن لم يرني وآمن بي سبع مرات ). وبخبر عمر رضي الله تعالى عنه قال كنت جالسا عند النبي فقال ( أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا ) قلنا الملا ئكة. قال ( وحق لهم بل غيرهم ) قلنا الأنبياء قال وحق لهم بل غيرهم ثم قال ( أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيمانا ). وبحديث ( مثل أمتي مثل المطر لا يدرى آخره خير أم أوله ). وبخبر ( ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو خير ثلاثا ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها ). وبخير ( يأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين ). قيل منهم أو منا يا رسول الله قال ( بل منكم ) وبما روى أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم أن أكتب لي بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر ولا رجالك كرجال عمر وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب بمثل قول سالم. قال أبو عمر فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية قال وخبر ( خير الناس قرني ) ليس على عمومه لأنه جمع المنافقين وأهل الكبائر الذين قام عليهم وعلى بعضهم الحدود انتهى. والحديث الأول لا شاهد فيه للأفضلية والثاني ضعيف فلا يحتج به لكن صحح الحاكم وحسن غيره خبر يا رسول الله هل أحد خير منا أسلمنا معك وجاهدنا معك قال ( قوم يكو نون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني ). والجواب عنه وعن الحديث الثالث فإنه حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى درجة الصحة وعن الحديث الرابع فإنه حسن أيضا وعن الحديث الخامس الذي رواه أبو داود والترمذي أن المفضول قد يكون فيه مزية لا توجد في الفاضل. وأيضا مجرد زياد ة الأجر لا تستلزم الأفضلية المطلقة. وأيضا الخيرية بينهما إنما هي باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من ياتي على بعض الصحابة في ذلك. وأما ما اختص به الصحابة رضوان الله عليهم وفازوا به من مشاهدة طلعته ورؤية ذاته المشرفة المكرمة فأمر من وراء العقل إذ لا يسع أحد أن يأتي من الأعمال وإن جلت بما يقارب ذلك فضلا عن أن يماثله ومن ثم سئل عبد الله ابن المبارك وناهيك به جلالة وعلما أيما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز فقال الغبار الذي دخل أنف فرس معاوية مع رسول الله خير من عمر ابن عبد العزيز كذا وكذا مرة. أشار بذلك إلى أن فضيلة صحبته ورؤيته لا يعدلها شيء وبذلك علم الجواب عن استدلال أبي عمر بقضية عمر بن عبد العزيز وأن قول أهل زمنه له أنت أفضل من عمر. إنما هو بالنسبة لما تساويا فيه إن تصور من العدل في الرعية وأما من حيث الصحبة وما فاز به عمر من حقائق القرب ومزايا الفضل والعلم والدين التي شهد له بها النبي فأنى لابن عبد العزيز وغيره وأن يلحقوه في ذرة من ذلك. فالصواب ما قاله جمهور العلماء سلفا وخلفا لما يأتي وعلم من قول أبي عمر إلا أهل بدر والحديبية. أن الكلام في غير أكابر الصحابة ممن لم يفز إلا بمجرد رؤيته وقد ظهر أنه فاز بما لم يفز به من بعده وأن من بعده لو عمل ماعساه أن يعمل لا يمكنه أن يحصل ما يقرب من هذه الخصوصية فضلا عن أن يساويها هذا فيمن لم يفز إلا بذلك فما بالك بمن ضم إليها أنه قاتل معه أو في زمنه بأمره أو نقل شيئا من الشريعة إلى من بعده أو أنفق شيئا من ماله بسببه فهذا مما لا خلاف في أن أحدا من الجائين بعده لاا يدركه ومن ثم قال تعالى ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير . الحديد ١٠. ومما يشهد لما عليه الجمهور من السلف والخلف من أنهم خير خلق الله وأفضلهم بعد النبيين وخواص الملائكة والمقربين ما قدمته من فضائل الصحابة ومآثرهم أول الكتاب وهو كثير فراجعه ومنه حديث الصحيحين (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه ) وفي رواية لهما ( فإن أحدكم ) بكاف الخطاب وفي رواية الترمذي ( لو أنفق أحدكم ). الحديث والنصيف بفتح النون لغة في النصف. وروى الدارمي وابن عدي وغيرهما أنه قال ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ). ومن ذلك أيضا الخبر المتفق على صحته ( خير القرون أو الناس أو أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ). والقرن أهل زمن واحد متقارب اشتركوا في وصف مقصود ويطلق على زمن مخصوص وقد اختلفوا فيه من عشرة أعوام إلى مائة وعشرين إلا السبعين والمئة وعشرة فلم يحفظ قائل بهما وما عداهما قال به قائل وأعدل الأ قوال قول صاحب المحكم هو القدر المتوسط من أعمار أهل كل زمن والمراد بقرنه في هذا الحديث الصحابة وآخر من مات منهم على الإطلاق بلا خلاف أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي كما جزم به مسلم في صحيحه وكان موته سنة مائة على الصحيح وقيل سنة سبع ومائة وقيل سنة عشر ومائة. وصححه الذهبي لمطابقته للحديث الصحيح وهو قوله قبل وفاته بشهر ( على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد ) وفي رواية مسلم ( أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه ليس من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة ) فأراد بذلك انخرام القرن بعد مائة سنة من حين مقالته. والقول بأن عكراش بن ذؤيب عاش بعد وقعة الجمل مائة سنة غير صحيح وعلى التنزل فمعناه استكملها بعد ذلك لا أنه بقي بعدها مائة سنة كما قال الأئمة وما قاله جماعة في رتن الهندي ومعمر المغربي ونحوهما فقد بالغ الأئمة سيما الذهبي في تزييفه وبطلانه قال الأئمة ولا يروج ذلك على من له أدني مسكة من العقل ومر أن أفضلية قرنه على من يليه وهم التابعون بالنسبة إلى المجموع لا إلى كل فرد خلافا لابن عبد البر وكذا يقال في التابعين رضوان الله عليهم أجمعين وتابعيهم. ثم الصحابة أصناف مهاجرون وأنصار وحلفاء وهم من أسلم يوم الفتح أو بعده فأفضلهم إجمالا المهاجرون فمن بعدهم على الترتيب المذكور وأما تفصيلا فسبّاق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين وسباق المهاجرين أفضل من سباق الأنصار ثم هم بعد ذلك يتفاوتون فرب متأخر إسلاما كعمر أفضل من متقدم كبلال. وقال أبو منصور البغدادي من أكابر أئمتنا أجمع أهل السنة أن أفضل الصحابة أبو بكر فعمر فعثمان فعلي فبقية العشرة المبشرين بالجنة فأهل بدر فباقي أهل أحد فباقي أهل بيعة الرضوان بالحديبية فباقي الصحابة. انتهى. ومر اعتراض حكايته الإجماع بين علي وعثمان إلا إن أراد بالإجماع فيهما إجماع أكثر أهل السنة فيصح ما قاله حينئذ هذا وقد أخرج الأنصاري عن أنس أن رسول الله قال ( يا أبا بكر ليت أني لقيت إخواني ). فقال أبو بكر يا رسول الله نحن إخوانك قال ( أنتم أصحابي إخواني الذين لم يروني وصدقوا بي وأحبوني حتى إني لأحب إلى أحدهم من ولده ووالده ). قالوا يا رسول الله نحن إخوانك. قال ( أنتم أصحابي ألا تحب يا أبا بكر قوما أحبوك بحبي إياك فأحبهم ما أحبوك بحبي إياك ). وقال ( من أحب الله أحب القرآن ومن أحب القرآن أحبني ومن أحبني أحب أصحابي وقرابتي ). رواه الديلمي. وقال ( يا أيها الناس احفظوني في أختاني وأصهاري وأصحابي لا يطالبنكم الله بمظلمة أحد منهم فإنها ليست مما يوهب ). رواه الخلعي. قال ( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه ). ورواه المخلص الذهبي. فهذا الحديث وما قبله خرج مخرج الوصية بأصحابه على طريق التأكيد والترغيب في حبهم والترهيب عن بغضهم وفيه أيضا إشارة إلى أن حبهم إيمان وبغضهم كفر لأن بغضهم إذا كان بغضا له كان كفرا بلا نزاع لخبر ( لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ). وهذا يدل على كمال قربهم منه من حيث أنزلهم منزلة نفسه حتى كأن أذاهم واقع عليه وفيه أيضا أن محبة من أحبه النبي كآله وأصحابه رضي الله تعالى عنهم علامة على محبة رسول الله كما أن محبته علامة على محبة الله تعالى وكذلك عداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم علامة على بغض رسول الله وعدواته وسبه وبغضه وعداوته وسبه علامة على بغض الله تعالى وعداوته وسبه فمن أحب شيئا أحب من يحب وأبغض من يبغض قال الله تعالى ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) المجادلة ٢٢ فحب أولئك أعني آله وأزواجه وذرياته وأصحابه من الواجبات المتعينات وبغضهم من الموبقات المهلكات ومن محبتهم توقيرهم وبرهم والقيام بحقوقهم والاقتداء بهم بالمشي على سنتهم وآدابهم وأخلاقهم والعمل بأقوالهم مما ليس للعقل فيه مجال ومزيد الثناء عليهم وحسنه بأن يذكروا بأوصافهم الجميلة على قصد التعظيم فقد أثنى الله عليهم في آيات كثيرة من كتابه المجيد ومن أثنى الله عليه فهو واجب الثناء ومنه الاستغفار لهم. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها أمروا بأن يستغفروا لأصحاب محمد فسبوهم. رواه مسلم وغيره على أن فائدة المستغفر عائد أكثرها إليه إذ يحصل بذلك مزيد الثواب. قال سهل بن عبد الله التستري. وناهيك به علما وزهدا ومعرفة وجلالة لم يؤمن برسول الله من لم يوقر أصحابه. ومما يوجب أيضا الإمساك عما شجر أي وقع بينهم من الاختلاف والإضراب صفحا عن أخبار المؤرخين سيما جهلة الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم فقد قال ( إذا ذكر أصحابي فأمسكوا ). والواجب أيضا على كل من سمع شيئا من ذلك أن يثبت فيه ولا ينسبه إلى أحدهم بمجرد رؤيته في كتاب أو سماعه من شخص بل لا بد أن يبحث عنه حتى يصح عنده نسبته إلى أحدهم فحينئذ الواجب أن يلتمس لهم أحسن التأويلات وأصوب المخارج إذ هم أهل لذلك كما هو مشهور في مناقبهم ومعدود من مآثرهم مما يطول إيراده وقد مر لذلك منه جملة في بعضهم. وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات فله محامل وتأويلات وأما سبهم والطعن فيهم فإن خالف دليلا قطعيا كقذف عائشة رضي الله عنها أو إنكار صحبة أبيها كان كفرا وإن كان بخلاف ذلك كان بدعة وفسقا. ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة للإجماع على حقيتها لعلي كما مر فلم تهج الفتنة بسببها وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه فامتنع علي ظنا منه أن تسليمهم إليهم على الفور مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر علي يؤدي إلى اضطراب وتزلزل في أمر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الإسلام سيما وهي في ابتدائها لم يستحكم الأمر فيها فرأى علي رضي الله عنه أن تأخير تسليمهم أصوب إلى أن يرسخ قدمه في الخلافة ويتحقق التمكن من الأمور فيها على وجهها ويتم له انتظام شملها واتفاق كلمة المسلمين ثم بعد ذلك يلتقطهم واحدا فواحدا ويسلمهم إليهم ويدل لذلك أن بعض قتلته عزم على الخروج على علي ومقاتلته لما نادى يوم الجمل بأن يخرج عنه قتلة عثمان وأيضا فالذين تمالؤا على قتل عثمان كانوا جموعا كثيرة كما علم مما قدمته في قصة محاصرتهم له إلى أن قتله بعضهم جمع من أهل مصر قيل سبعمائة وقيل ألف وقيل خمسمائة وجمع من الكوفة وجمع من البصرة وغيرهم قدموا كلهم المدينة وجرى منهم ما جرى بل ورد أنهم هم وعشائرهم نحو من عشرة آلاف فهذا هو الحامل لعلي رضي الله عنه على الكف عن تسليمهم لتعذره كما عرفت ويحتمل أن عليا رضي الله عنه رأى أن قتلة عثمان بغاة حملهم على قتله تأويل فاسد استحلوا به دمه رضي الله تعالى عنه لإنكارهم عليه أمورا كجعله مروان ابن عمه كاتبا له ورده إلى المدينة بعد أن طرده النبي منها وتقديمه أقاربه في ولاية الأعمال وقضية محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما السابقة في مبحث خلافة عثمان مفصلة ظنوا أنها مبيحة لما فعلوه جهلا منهم وخطأ والباغي إذا انقاد إلى الإمام العدل لا يؤاخذ بما أتلفه في حال الحرب عن تأويل دما كان أو مالا كما هو المرجح من قول الشافعي رضي الله عنه وبه قال جماعة آخرون من العلماء وهذا الاحتمال وإن أمكن لكن ما قبله أولى بالاعتماد منه فإن الذي ذهب إليه كثيرون من العلماء أن قتلة عثمان لم يكونوا بغاة وإنما كانوا ظلمة وعتاة لعدم الاعتداد بشبههم ولأنهم أصروا على الباطل بعد كشف الشبهة وإيضاح الحق لهم وليس كل من انتحل شبهة يصير بها مجتهدا لأن الشبهة تعرض للقاصر عن درجة الاجتهاد ولا ينافي هذا ما هو المقرر في مذهب الشافعي رضي الله عنه من أن من لهم شوكة دون تأويل لا يضمنون ما أتلفوه في حال القتال كالبغاة لأن قتل السيد عثمان رضي الله عنه لم يكن في قتال فإنه لم يقاتل بل نهى عن القتال حتى إن أبا هريرة رضي الله عنه لما أراده قال له عثمان عزمت عليك يا أبا هريرة إلا رميت بسيفك إنما تراد نفسي وسأقي المسلمين بنفسي كما أخرجه ابن عبد البر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أيضا أن معاوية رضي الله عنه لم يكن في أيام علي خليفة وإنما كان من الملوك وغاية اجتهاده أنه كان له أجر واحد على اجتهاده وأما علي رضي الله عنه فكان له أجران أجر على اجتهاده وأجر على إصابته بل عشرة أجور لحديث ( إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله عشرة أجور ) واختلفوا في إمامة معاوية بعد موت علي رضي الله عنهما فقيل صار إماما وخليفة لأن البيعة قد تمت له وقيل لم يصر إماما لحديث أبي داود والترمذي والنسائي ( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا ). وقد انقضت الثلاثون بوفاة علي وأنت خبير بما قدمته أن الثلاثين لم تتم بموت علي وبيانه أنه توفي في رمضان سنة أربعين من الهجرة. والأكثرون على أن وفاته سابع عشر ووفاة النبي ثاني عشر ربيع الأول فبينهما دون الثلاثين بنحو ستة أشهر وتمت الثلاثين بمدة خلافة الحسن بن علي رضي الله عنهما فإذا تقرر ذلك فالذي ينبغي كما قاله غير واحد من المحققين أن يحمل قول من قال بإمامة معاوية عند وفاة علي على ما تقرر من وفاته بنحو نصف سنة لما سلم له الحسن الخلافة والمانعون لإمامته يقولون لا يعتد بتسليم الحسن الأمر إليه لأنه لم يسلمه إليه إلا للضرورة لعلمه بأنه أعني معاوية لا يسلم الأمر للحسن وأنه قاصد للقتال والسفك إن لم يسلم الحسن الأمر إليه فلم يترك الأمر إليه إلا صونا لدماء المسلمين ولك رد ما وجه به هؤلاء ما ذكر بأن الحسن كان هو الإمام الحق والخليفة الصدق وكان معه من العدة والعدد ما يقاوم من مع معاوية فلم يكن نزوله عن الخلافة وتسليمه الأمر لمعاوية اضطراريا بل كان اختياريا كما يدل عليه ما مر في قصة نزوله من أنه اشترط عليه شروطا كثيرة فالتزمها ووفى له بها وأيضا فقد مر عن صحيح البخاري أن معاوية هو السائل للحسن في الصلح ومما يدل على ما ذكرته حديث البخاري السابق عن أبي بكرة قال رأيت رسول الله على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول ( إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ). فانظر إلى ترجيه الإصلاح به وهو لا يترجى إلا الأمر الحق الموافق للواقع بترجيه الإصلاح من الحسن يدل على صحة نزوله لمعاوية عن الخلافة وإلا لو كان الحسن باقيا على خلافته بعد نزوله عنها لم يقع ينزوله إصلاح ولم يحمد الحسن على ذلك ولم يترج مجرد النزول من غير أن يترتب عليه فائدته الشرعية ووجوب طاعته على الكافة وهي استقلال المنزول له بالأمر وصحة خلافته ونفاذ تصرفه ووجوب طاعته على الكافة وقيامه بأمور المسلمين فكان ترجيه لوقوع الإصلاح بين أولئك الفئتين العظيمتين من المسلمين بالحسن فيه دلالة أي دلالة على صحة ما فعله الحسن وعلى أنه مختار فيه وعلى أن تلك الفوائد الشرعية وهي صحة خلافة معاوية وقيامه بأمور المسلمين وتصرفه فيها بسائر ما تقتضيه الخلافة مترتبة على ذلك الصلح فالحق ثبوت الخلافة لمعاوية من حينئذ وأنه بعد ذلك خليفة حق وإمام صدق كيف وقد أخرج الترمذي وحسنه عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي عن النبي أنه قال لمعاوية ( اللهم اجعله هاديا مهديا ). وأخرج أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية سمعت رسول الله يقول ( اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب ). وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك ابن عمير قال قال معاوية ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله ( يا معاوية إذا ملكت فأحسن ). فتأمل دعاء النبي له في الحديث الأول بأن الله يجعله هاديا مهديا والحديث حسن كما علمت فهو مما يحتج به على فضل معاوية وأنه لا ذم يلحقه بتلك الحروب لما علمت أنها كانت مبنية على اجتهاد وأنه لم يكن له إلا أجر واحد لأن المجتهد إذا أخطأ لا ملام عليه ولا ذم يلحقه بسبب ذلك لأنه معذور ولذا كتب له أجر. ومما يدل لفضله أيضا الدعاء في الحديث الثاني بأن يعلم ذلك ويوقى العذاب ولا شك أن دعاءه مستجاب فعلمنا منه أنه لا عقاب على معاوية فيما فعل من تلك الحروب بل له الأجر كما تقرر. وقد سمى النبي فئته المسلمين وساو اهم بفئة الحسن في وصف الإسلام فدل على بقاء حرمة الإسلام للفريقين وأنهم لم يخرجوا بتلك الحروب عن الإسلام وأنهم فيه على حد سواء فلا فسق ولا نقص يلحق أحدهما لما قررناه من أن كلا منهما متأول تأويلا غير قطعي البطلان وفئة معاوية وإن كانت هي الباغية لكنه بغي لا فسق به لأنه إنما صدر عن تأويل يعذر به أصحابه. وتأمل أنه أخبر معاوية بأنه يملك وأمره بالإحسان تجد في الحديث إشارة إلى صحة خلافته وأنها حق بعد تمامها له بنزول الحسن له عنها فإن أمره بالإحسان المترتب على الملك يدل على حقية ملكه وخلافته وصحة تصرفه ونفوذ أفعاله من حيث صحة الخلافة له من حيث التغلب لأن المتغلب فاسق معاقب لا يستحق أن يبشر ولا يؤمر بالإحسان فيما تغلب عليه بل إنما يستحق الزجر والمقت والإعلام بقبيح أفعاله وفساد أحواله. فلو كان معاوية متغلبا لأشار له النبي إلى ذلك أو صرح له به فلما لم يشر له فضلا عن أن يصرح إلا بما يدل على حقية ما هو عليه علمنا أنه بعد نزول الحسن له خليفة حق وإمام صدق. ويشير إلى ذلك كلام الإمام أحمد فقد أخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن سويد الأرمني قال قلت لأحمد ابن حنبل من الخلفاء قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. قلت فمعاوية قال لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان علي من علي. فأفهم كلامه أن معاوية بعد زمان علي أي وبعد نزول الحسن له أحق الناس بالخلافة. وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال قلت لسفينة إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم. فقال كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من أشر الملوك وأول الملوك معاوية. فلا يتوهم منه أن لا خلافة لمعاوية لأن معناه أن خلافته وإن كانت صحيحة إلا أنه غلب عليها مشابهة الملك لأنها خرجت عن سنن خلافة الخلفاء الراشدين في كثير من الأمور فهي حقة وصحيحة من حين نزول الحسن له واجتماع الناس أهل الحل والعقد عليه وتلك من حيث إنه وقع فيها أمور ناشئة عن اجتهادات غير مطابقة للواقع لا يأثم بها المجتهد لكنها تؤخر عن درجات ذوي الاجتهادات الصحيحة المطابقة للواقع وهم الخلفاء الأربعة والحسن رضي الله عنهم فمن أطلق على ولاية معاوية أنها ملك أراد من حيث ما وقع في خلا لها من تلك الاجتهادات التي ذكرناها ومن أطلق عليها أنها خلافة أراد انه بنزول الحسن له واجتماع أهل الحل والعقد عليه صار خليفة حق مطاعا يجب له من حيث الطواعية والانقياد ما يجب للخلفاء الراشدين قبله. ولا يقال بنظير ذلك فيمن بعده لأن أولئك ليسوا من أهل الاجتهاد بل منهم عصاة فسقة ولا يعدون من جملة الخلفاء بوجه بل من جملة الملوك بل من أشرهم إلا عمر بن عبد العزيز فإنه ملحق بالخلفاء الراشدين وكذلك ابن الزبير. وأما ما يستبيحه بعض المبتدعة من سبه ولعنه فله فيه اسوة أي أسوة بالشيخين وعثمان وأكثر الصحابة فلا يلتفت لذلك ولا يعول عليه فإنه لم يصدر إلا عن قوم حمقى جهلاء أغبياء طغام لا يبالي الله بهم في أي واد هلكوا فلعنهم الله وخذلهم أقبح اللعنة والخذلان وأقام على رؤوسهم من سيوف أهل السنة وحججهم المؤيدة بأوضح الدلائل والبرهان ما يقمعهم عن الخوض في تنقيص أولئك الأئمة الأعيان ولقد استعمل معاوية عمر وعثمان رضي الله عنهم وكفاه ذلك شرفا وذلك أن أبا بكر رضي الله عنه لما بعث الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان فلما مات أخوه يزيد استخلفه على دمشق فأقره ثم أقره عمر ثم عثمان وجمع له الشام كله فأقام أميرا عشرين سنة وخليفة عشرين سنة. قال كعب الأحبار لم يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية. قال الذهبي توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية وصدق كعب فيما نقله فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض بخلاف غيره ممن بعده فإنه كان لهم مخالف وخرج عن أمرهم بعض الممالك. انتهى. وفي إخبار كعب بذلك قبل استخلاف معاوية دليل على أن خلافته منصوص عليها في بعض كتب الله المنزلة فإن كعبا كان حبرها فله من الاطلاع عليها والإحاطة بأحكامها ما فاق سائر أحبار أهل الكتاب وفي هذا من التقوية لشرف معاوية وحقية خلافته بعد نزول الحسن له ما لا يخفى وكان نزوله له عنها واستقراره فيها من ربيع الآخر أوجمادى الأولى سنة إحدى وأربعين فسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد.

معتقد الحافظ النسائي في معاوية رضي الله عنه

معتقد الحافظ النسائي في معاوية رضي الله عنه
ﺳُﺌﻞ الإمام ﺃﺑﻮ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺮﺣﻤﻦ ﺍﻟﻨﺴﺎﺋﻲ ﻋﻦ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺳﻔﻴﺎﻥ ﺻﺎﺣﺐِ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ ﺻﻠﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻓﻘﺎﻝ: “إﻧﻤﺎ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﻛﺪﺍﺭ ﺑﻬﺎ ﺑﺎﺏ، ﻓﺒﺎﺏ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻡ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ، ﻓﻤﻦ ﺁﺫَﻯ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ ﺇﻧﻤﺎ ﺃﺭﺍﺩ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻡ، ﻛﻤﻦ ﻧﻘﺮ ﺍﻟﺒﺎﺏ؛ ﺇﻧﻤﺎ ﻳﺮﻳﺪ ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻟﺪﺍﺭ، ﻗﺎﻝ: ﻓﻤﻦ ﺃﺭﺍﺩ ﻣﻌﺎﻭﻳﺔ، ﻓﺈﻧﻤﺎ ﺃﺭﺍﺩ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔ”
[ ﺗﻬﺬﻳﺐ ﺍﻟﻜﻤﺎﻝ (1/339)]

الرافعي اﻹمام الشافعي يثبت العدالة مع البغي

اﻹمام الرافعي: “اﻹمام الشافعي يثبت العدالة مع البغي”
وهذا دليل على أن اﻹمام الشافعي لا يعتبر البغي معصية وعليه فقوله عن الذين قاتلوا عليا أنهم بغاة ليس معناه أنهم فسقوا أو عصوا.

قالوا عن اﻹمام الرافعي رحمه الله.
ﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﺍﻟﺼﻼ‌ﺡ : ﺃﻇﻦ ﺃﻧﻲ ﻟﻢ ﺃﺭ ﻓﻲ ﺑﻼ‌ﺩ ﺍﻟﻌﺠﻢ ﻣﺜﻠﻪ، ﻛﺎﻥ ﺫﺍ ﻓﻨﻮﻥ، ﺣﺴﻦ ﺍﻟﺴﻴﺮﺓ، ﺟﻤﻴﻞ ﺍﻷ‌ﻣﺮ .
ﻭﻗﺎﻝ ﺃﺑﻮ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﻣﺤﻤﺪ ﺍﻹ‌ﺳﻔﺮﺍﻳﻴﻨﻲ ﺍﻟﺼﻔﺎﺭ : ﻫﻮ ﺷﻴﺨﻨﺎ ﺇﻣﺎﻡ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻧﺎﺻﺮ ﺍﻟﺴﻨﺔ ﺻﺪﻗﺎ ﺃﺑﻮ ﺍﻟﻘﺎﺳﻢ، ﻛﺎﻥ ﺃﻭﺣﺪ ﻋﺼﺮﻩ ﻓﻲ ﺍﻷ‌ﺻﻮﻝ ﻭﺍﻟﻔﺮﻭﻉ ﻭﻣﺠﺘﻬﺪ ﺯﻣﺎﻧﻪ ﻭﻓﺮﻳﺪ ﻭﻗﺘﻪ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻭﺍﻟﻤﺬﻫﺐ، ﻛﺎﻥ ﻟﻪ ﻣﺠﻠﺲ ﻟﻠﺘﻔﺴﻴﺮ ﻭﺗﺴﻤﻴﻊ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺑﺠﺎﻣﻊ ﻗﺰﻭﻳﻦ، ﺻﻨﻒ ﻛﺜﻴﺮﺍ ﻭﻛﺎﻥ ﺯﺍﻫﺪﺍ ﻭﺭﻋﺎ ﺳﻤﻊ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ .
ﻗﺎﻝ ﺍﻹ‌ﻣﺎﻡ ﺍﻟﻨﻮﺍﻭﻱ : ﻫﻮ ﻣﻦ ﺍﻟﺼﺎﻟﺤﻴﻦ ﺍﻟﻤﺘﻤﻜﻨﻴﻦ، ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻪ ﻛﺮﺍﻣﺎﺕ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﻇﺎﻫﺮﺓ.

ﺍﻟﻤﻴﻤﻮﻧﻲ: ﻗﻠﺖ ﻷ‌ﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ ﺃﻟﻴﺲ ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ: “ﻛﻞ ﺻﻬﺮ ﻭﻛﻞ ﻧﺴﺐ ﻣﻨﻘﻄﻊ ﺇﻻ‌ ﺻﻬﺮﻱ ﻭﻧﺴﺒﻲ

ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻤﻴﻤﻮﻧﻲ: ﻗﻠﺖ ﻷ‌ﺣﻤﺪ ﺑﻦ ﺣﻨﺒﻞ ﺃﻟﻴﺲ ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ ﺍﻟﻠﻪ: “ﻛﻞ ﺻﻬﺮ ﻭﻛﻞ ﻧﺴﺐ ﻣﻨﻘﻄﻊ ﺇﻻ‌ ﺻﻬﺮﻱ ﻭﻧﺴﺒﻲ”
ﻗﺎﻝ: ﻧﻌم .
ﻗﻠﺖ: ﻫﺬﻩ ﻛﻠﻬﺎ ﻟﻤﻌﺎﻭﻳﺔ ﺭﺿﻲ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻪ؟
ﻗﺎﻝ: ﻧﻌﻢ .
ﺭﻭﺍﻩ ﺍﻟﻼ‌ﻟﻜﺎﺋﻲ

اﻹمام الروياني: الباغي متأول بشبهة خرج بها من الفسق

اﻹمام الروياني: الباغي متأول بشبهة خرج بها من الفسق.
المصدر: بحر المذهب للروياني

الإمام ﺍﻟﺮﻭﻳﺎﻧﻲ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﺒﺤﺮ
ﺃﺣﺪ ﺃﺋﻤﺔ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ، ﻭﻟﺪ ﻓﻲ ﺫﻱ ﺍﻟﺤﺠﺔ ﺳﻨﺔ ﺧﻤﺲ ﻋﺸﺮﺓ ﻭﺃﺭﺑﻌﻤﺎﺋﺔ
ﻛﺎﻥ ﻳﻠﻘﺐ ﻓﺨﺮ ﺍﻹ‌ﺳﻼ‌ﻡ ﻭﻟﻪ ﺍﻟﺠﺎﻩ ﺍﻟﻌﺮﻳﺾ ﻓﻲ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺪﻳﺎﺭ ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﻐﺰﻳﺰ ﻭﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻤﺘﻴﻦ ﻭﺍﻟﻤﺼﻨﻔﺎﺕ ﺍﻟﺴﺎﺋﺮﺓ ﻓﻲ ﺍﻵ‌ﻓﺎﻕ ﻭﺍﻟﺸﻬﺮﺓ ﺑﺤﻔﻆ ﺍﻟﻤﺬﻫﺐ ﻳﻀﺮﺏ ﺍﻟﻤﺜﻞ ﺑﺎﺳﻤﻪ ﻓﻲ ﺫﻟﻚ ﺣﺘﻰ ﻳﺤﻜﻰ ﺃﻧﻪ ﻗﺎﻝ ﻟﻮ ﺍﺣﺘﺮﻗﺖ ﻛﺘﺐ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ ﻷ‌ﻣﻠﻴﺘﻬﺎ ﻣﻦ ﺣﻔﻈﻲ، ﻗﻠﺖ: ﻭﻻ‌ ﻳﻌﻨﻲ ﺑﻜﺘﺒﻪ ﻣﻨﺼﻮﺻﺎﺗﻪ ﻓﻘﻂ ﺑﻞ ﻣﻨﺼﻮﺻﺎﺗﻪ ﻭﻛﺘﺐ ﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺮﺍﺩ ﻋﻨﺪ ﺇﻃﻼ‌ﻕ ﻛﺘﺐ ﺍﻟﺸﺎﻓﻌﻲ
ﻗﺎﻝ ﺍﻟﻌﻤﺎﺩ ﻣﺤﻤﺪ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺳﻌﺪ ﻭﻫﻮ ﺻﺪﺭ ﺍﻟﺮﻱ ﻓﻲ ﺯﻣﺎﻧﻪ ﺃﺑﻮ ﺍﻟﻤﺤﺎﺳﻦ ﺍﻟﺮﻭﻳﺎﻧﻲ ﺷﺎﻓﻌﻲ ﻋﺼﺮﻩ.

 

الإمام ﺍﻟﺮﻭﻳﺎﻧﻲ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﺒﺤﺮ شهادة أهل البغي اذا كانوا عدولا مقبولة، ولا يكونوا بما تأولوه من البغي فساقا

الإمام ﺍﻟﺮﻭﻳﺎﻧﻲ ﺻﺎﺣﺐ ﺍﻟﺒﺤﺮ: شهادة أهل البغي اذا كانوا عدولا مقبولة، ولا يكونوا بما تأولوه من البغي فساقا.
المصدر: بحر المذهب.

 

معاوية ابن أبي سفيان : الصحابي المظلوم

معاوية ابن أبي سفيان : الصحابي المظلوم

No announcement available or all announcement expired.